حزن في "العرّوب".. لقد استشهد "بلبل المخيم"
تاريخ النشر : 2023-09-11 12:03

الخليل:

"رحل بلبل العرّوب، استشهد ذو الصوت النديّ"، هكذا كان أهالي مخيم العرّوب شمال مدينة الخليل بالضفة الغربية يرددون يوم أمس عندما استشهد الطفل ميلاد.

اسمه ميلاد منذر الراعي، عمره 16 عامًا، مجتهد ومفعم بالنشاط، يلقي التحية على كل من قابله، ويمازح كل من رآه، علاوة على ذلك، فالفتى مشهور بصوته النديّ، وطالما أمتع أهالي المخيم بإنشاده، لكن رصاصة أسكتت صوته النديّ، وبثّت الحزن في نفوس أهالي المخيم الذين نزل الخبر على رؤوسهم كالصاعقة.

ورث الفتى الصوت الجميل والذوق الفني العالي عن والده الفنان منذر الراعي ذو الصوت الجبلي، وأحب الفن تمامًا كما أحبته جدّته الذوّاقة للكوميديا أم حاتم.

"سطح قلبي"، قالها منذر الراعي والد الفتى ميلاد، من بين جموع المشيعين الذي هبّوا لمواساة فنان المخيم الذي كسا الحزن ملامحه وتهدّج صوته الجبلي وهو يجهش بالبكاء "أشهد الله إني رضيت عنك يا ولدي ارضَ عنه يا الله، وهبته لله يا ولدي".

أما والدته التي فقدت واسطة عقد أبنائها، فصرخت وهي تودّع جثمانه وتنهال عليه بالقبلات والبكاء: "مع السلامة يا ابني يا حبيبي، مع السلامة يا ميلاد".

مع حمل المشيعين للجثمان وخرجهم من البيت حضنت والداتها وهي تصرخ: "راح ابني راح الغالي ميلاد"، لا شيء يعزي قلب أم فقدت ولدها الذي تروي كما كان قلبه الصغير يحتضن أحلامًا ظن أن العمر سيمهله حتى يحققها.

كان الفتى ميلاد إضافة إلى حبه للغناء وصوته النديّ "رابر" استثمر موهبته في تجسيد معاناتهم من الاحتلال وسجل يوميات المخيم في أغاني راب.

"وين رايح وين جاي رح يطخك الاحتلال"، كان هذا أحد مقاطع الراب المتداولة للرابر الصغير ميلاد، وبهذه الطريقة تمامًا قتلوه حين أطلقوا النار عليه عند مدخل المخيم، فأصابوه برصاصة في بطنه.

كان ميلاد كما تروي عائلته محبًا أيضًا لكرة القدم، وكثيرًا ما نشر مقاطع فيديو له وهو يلعب الكرة في أزقة المخيم الضيقة، يقول في أحد المقاطع إنه مشجع لنادي ريال مدريد الإسباني الذي كان يرتدي قمصيه أثناء لعبه للكرة.

كان ميلاد ابن الصف العاشر في مدرسة العروب الثانوية للبينين، يردد الأغاني الوطنية التي تتحدث عن معاناة المخيم وضيق البيوت والاعتداءات الإسرائيلية وأمنيات الصغار وحلم التحرير والعودة إلى مدننا وقرانا المحتلة.

كان ميلاد يحلم بأن يصبح محترفًا للعبة كرة القدم، والذهاب لزيارة ناديه المفضّل وربما الاحتراف فيه ولم لا، ومن أجل ذلك كان يمارس لعبته المفضلة في ملعب قرب المخيم مكشوف لبرج مراقبة إسرائيلي، كان يتقاذف الكرة مع أصدقائه على عين الجنود الحاقدين، الذين أنهى أحدهم حياة الفتى الواعد ميلاد، برصاصة ودم بارد.

وتؤكد الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال في تقاريرها إن الاحتلال الإسرائيلي يتعمد استخدام القوة المميتة بحق الأطفال الفلسطينيين، وان العام الحالي وحده شهد استشهاد 47 طفلًا برصاص الاحتلال الإسرائيلي.

وتشير الحركة العالمية إلى أن استمرار الاحتلال في جرائمه ضد المواطنين، خاصة الأطفال، ما كان ليحدث لولا سياسة الإفلات من العقاب التي تترافق مع الحماية والحصانة من المساءلة التي تتمتع بها، مبينة أن ارتفاع عدد الأطفال الذين قتلوا على أيدي الاحتلال جاء نتيجة تكثيف عمليات الاعتقال والتوغل في المدن والقرى والمخيمات بالضفة.

وأقيم مخيم "العروب" عام 1949 في منطقة "وادي الصقيع"، شمال الخليل، ويحده من الشمال قرية بيت فجَّار، وعين العروب؛ ومن الشرق أراضي بلدتي سعير، والشيوخ؛ ومن الجنوب أراضي بلدة حلحول؛ ومن الغرب بيت أُمَّر، وبلغت مساحته عند انشائه حوالي 258 دونماً، تقلصت إلى 238 دونماً، وحسب تقديرات "الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني يبلغ عدد سكانه في منتصف العام 2023 نحو 10339 لاجئ، وتنحدر أصول سكانه من 33 قرية تابعة للرملة والخليل وغزة.