تغيرات عصفت بالمجتمع الفلسطيني
تاريخ النشر : 2013-07-16 16:42

كتب : صبيح صبيح
رواية "قبلة بيت لحم الأخيرة"، عمل تأريخي لمحافظة بيت لحم، ولحِقب مختلفة جسدها الكاتب أسامة العيسة في هذه الرواية. العمل الميداني، المراجع التي اعتمد عليها الكاتب تضع الرواية ببساطة في سياق بحث اجتماعي يحفر في الظواهر ولا يكتفي بسردها. استخدم المؤلف مسار الحياة لبطله رائد لاظهار التغيرات التي عصفت بالمجتمع الفلسطيني: استعمار، تعاقب أنظمة وتحولات في البنية المجتمعية. فيظهر بعناية ودون ابتذال أو مثالية العلاقات بين الأديان، الكنيسة والجامع، مكانة المرأة، والتغييرات التي حظيت بها هذه العلاقات بحكم التغير الدائم في السياق يقوم بتسطير تناقض الشعار والممارسة؛ تناقض من يصنع الشعار فيدفع ثمنا قبل ان يجني الأرباح، وبؤس من يؤمن بالشعار (الوطن، الحب) فيدفع الثمن سنينا في الأسر واغترابا طول الوقت. اختفاء سينما بيت لحم، أدراج العمل الكاثوليك، أسود رام الله، مجمع الماسونيين، شخوص استحضرها الكاتب من أجل اظهار عمق التحول، الأحزاب، السلطة، الممول، شواهد القبور، أسواق بيت لجم، أبطال المقاومة، قادة الجيش المصري، جبرا، وما أدراك ما جبرا..

تناقضات الحياة الفلسطينية تظهر في مسارات ابطال الرواية رائد وسميرة، تأرجح علاقتهما. يعتمد المؤلف على فترة الأسر التي تعرض لها بطله فيظهر تباين حقيقة المدينة مع جغرافية الوطن التي وقعت أسيرة لمخيلة المعتقل، خذلان الأسير المحرر عند اكتشاف نموذج الحياة الجديد؛ مناضلة الأمس التي كانت تفرح بتهنئة الحزب لها وهي تلقي خطابها الثوري، تنتشي اليوم فرحا بتهنئة الادارة الأميركية على جهود مؤسستها غير الحكومية في الدفاع عن الجندر؛ قناع حل مكان قناع اخر؛ جسد الثائرة الذي تناثر على يد الجلاد، لم يجد من يلملمه إلا اسرائيلي يدّعي حبه للسلام؛ الابن الذي يعيد انتاج جرح ابيه، ليس فقط بحرصه على تلقي الاصابة في المكان الذي استقرت فيه الرصاصة بجسد والده، وانما بوفائه في اختيار مكان الاستشهاد : أمام مطعم أبيه؛ بوق الحزب قديما اصبح بوقا لماكنة جديدة...

رواية تأريخية لشخوص حقيقية من محافظة بيت لحم، عملت على توثيق الكثير من المعلومات التي كنت أجهلها حتى قراءة سطورها.

لو اتيح لهذه الرواية ان ترى طبعة ثانية، وأتيح لرأيي ان يصبح اقتراحاً، لاقترحت عدم اثقال جسد الرواية بالسرد التاريخي لبعض الشخوص وبعض الأحداث. أن يتم الاكتفاء بالفكرة المباشرة التي تتعلق بالحبكة دون الحاجة للسرد التاريخي داخل النص نفسه، والاكتفاء بالاشارة اليه في الهوامش او الملاحق. فالتنقل بين الأزمنة والأمكنة يربك أحيانا القارئ ويحرفه عن حبكة الرواية. ربما اضافة الهوامش او الملاحق تساعد في الحفاظ على انسجام جسد الرواية بحيث لا يتم اثقالها ببعض التفاصيل، كما أنها تساعد الكاتب على البقاء وفيا لفكرة توثيق هذه الحقبة التاريخية.