العزف على العود.. "دندنة" من أجل الحياة بغزة
تاريخ النشر : 2023-09-06 13:03

غزة:

مع وقع دندنة العود والصوت الجماعي الرخيم، الذي يصدح بأغنية "يما مويل الهوى" التقليدية الفلسطينية، يندمج متدربون ومتدربات في درسٍ للعزف على العود في مركزٍ بمدينة غزة!

شبّان وشابات شدّهم الشغف بآلة العود الموسيقية العربية، فانخرطوا ضمن برنامجٍ تدريبيٍ في مركز "سما" الموسيقي، لإيمانهم بأن هذه الآلة التي تضرب قِدمًا في عمق التاريخ، قادرة على إسماع صوتهم وضجيج قلوبهم.

مع الانتقال إلى أغنية "يا مال الشام"، تتغير مقامات العزف ويرتفع الصوت الجماعي، بينما يقطع الأغنية صوت المدرب الذي يوجه تعليماتٍ تتعلق بكيفية تثبيت ظهر آلة العود المصنوعة من خشب الزان، وطريقة مسك الريشة باليد اليسرى وتحريكها بإتقانٍ على الأوتار.

الشابة مريم الخطيب (20 عامًا) طالبة جامعية التحقت بالتدريب لقناعتها بأن العود من أهم الأشياء التي تعمل كمنظمٍ للأعصاب، فموسيقاه تعطي شعورًا بالراحة وكأننا نستنشقه.

"كل شيء يمكن أن يتحوّل إلى موسيقى"، تقول الشابة التي تدرس تخصص طب الأسنان، "فالشعر يمكن أن يتحوّل إلى موسيقى، وكذلك الطبيعة، والمشاعر، الحزن، الفرح، كله يتحوّل إلى صوت، وهذا التناغم هو الرابط الطبيعي بيننا وبين الحياة" تكمل.

الجامعية التي تتقن كتابة الشعر، تجزم أن الموسيقى مرحلة مهمة بالنسبة لها، وأن العود صوته الأجمل من بين كل الآلات، تعقّب: "معها أستطيع ضبط طبيعة جسدي وتنظيم ضربات قلبي مع دقات الوتر"، فالشابة التي نشأت على معزوفات فريد الأطرش وجبران ومارسيل خليفة، تعتقد أن الموسيقى جزء مهم من قضيتنا الفلسطينية، فنحن أيضًا قاومنا بالفن والشعر.

تطمح الخطيب بأن يأتي يوم تصبح فيه موسيقى العود ثقافة عامة بين الناس، تجلس في منتصف الطريق ممتشقة عودها، تعزف دون أن يبدو المشهد غريبًا، وأن يكون حتى ضمن مناهج التعليم، ليصبح صوت العود عامًا في كل الوطن.

أما زميلها الشاب هادي أبو عقلين، فله تجربة مشابهة مع حب العود وبدء التعلّم عليه منذ الصغر، حتى أصبح رفيقه في الحِل والترحال وفي جلسات السمر مع الأصدقاء.

يقول هادي (20 عامًا): "العود صديقي، يرافقني في كل مكان، أعزف عليه القديم والجديد، العاطفي والوطني، أعزف لأم كلثوم وفريد الأطرش وكذلك لفرقة العاشقين، أحب كل ألوان الغناء لكن الجبلي أنسب لي وهذا ما أمارسه غالبًا".

بصوته الرخيم يقدم هادي مقاطع مما أبدعه صوت الفنان صباح فخري، ثم يكمل: "يحتاج العود إلى موهبة، بدورها يلزمها تطوير، والفنان الذي يرغب بتطوير نفسه يجب أن يتعلّم جيدًا على العود، بالنسبة لي أصبح رفيقي أعزف عليه في أوقات الفراغ بالبيت وحين أجلس مع أصحابي".

هادي الذي كثيرًا ما أحيا بصوته وعوده الحفلات المدرسية، والمناسبات الوطنية، يؤمن بضرورة أن يتدرّب الفنان جيدًا على العود، فهو أحد أصوات الطبيعة التي عبرها بوسعنا حمل القضية الفلسطينية، وكل فنانٍ عليه استثمار فنّه وموهبته في تقديم كل ما يستطيع من أجل الوطن.

وسط انشغاله بتوجيه التعليمات فيما يخص مسك الريشة بشكلٍ سليم، والتي يبدو أنها تحتاج وقتًا لتعلّمها، والعزف على أوتار العود، يدندن الفنان الستيني ماجد القيشاوي بأغانٍ تراثيةٍ فلسطينية.

القيشاوي، مدرب موسيقى منذ نحو أربعة عقود، مرّت عليه أجيال وأجيال ممن حملوا العود بعده وشدُوا بأصواتهم للقضية، يؤمن بأن الفن رسالة يقدمها للشباب وعليهم حُسن استثمارها.

يقول الفيشاوي: "أحببت العود منذ الطفولة، تعلّمته بمفردي، ثم أتقنت آلاتٍ أخرى مثل الكمنجا، ولكن ظل هو الأقرب لقلبي، فهو ملك الآلات وأقدمها، حيث يعود إلى نحو 5000 عامٍ".

رغم إتقانه للكثير من الآلات الموسيقية، لكن يظل العود الأجمل كما يرى القيشاوي، وهو ما دفعه لاعتبارها رسالة عليه نقلها للطلبة والمتدربين الذين ترددوا عليه على مدى سنوات، حيث استخدم طرق تدريبٍ مختلفةٍ لكل مرحلة عمرية.

يبتسم وهو يشير بإصبعه إلى هادي قائلًا: "جاءني طفلًا بعمر 14 عامًا، علّمته ثماني مقامات، وهو أكمل التعليم بمفرده، الآن هادي يجيد 15 مقامًا".

يدرّب القيشاوي الطلبة على مدرسة صباح فخري والأغاني التراثية والطربية، وهو يعدّها مدرسة متوسطة ليست سهلة ولا صعبة، وهو يطمح إلى أن يحمل جميع من درّبهم رسالةً وطنيةً خالصة، فالفن أيضًا نسخره من أجل فلسطين.