خانيونس:
تنشغل المزارِعة الشابة حليمة أبو روك (22 عامًا) بجني محصول الأرض التي تزرعها، وبيعه في السوق المحلي، بينما يؤرقها وزميلاتها برج المراقبة الإسرائيلي الذي يصوب الموت نحوهنَّ في كل لحظة!
تحت نظر الاحتلال وبنادقه، تصل الشابة حليمة وزميلتيها إلى أرضهنَّ المزروعة، ما يجعل ممارستهن مهنة الزراعة التي أحببنها بمثابة مواجهةٍ يوميةٍ مع الموت.
الخطر الذي تواجهه حليمة، هو أحد تبعات الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، وانعكاسه مباشر على المزارعين والمزارعات، إذ يتنوّع بين التعرّض اليومي لإطلاق النار، والمنع من التصدير، ومنع إدخال البذور والأسمدة، والعدوان المباشر على الأراضي الزراعية بإغراقها بالمياه العادمة ورشها بالمبيدات السامة.
تقول حليمة: "أقف الآن على بعد أقل من 500 متر من برج المراقبة الإسرائيلي. كل لحظةٍ هنا محفوفة بالمخاطر. لقد زرعت وزميلاتي هذا العام محصول الشمام، ومع بدء عدوانٍ لخمسة أيام، كان عليّ المخاطرة والوصول للأرض من أجل ريّها. كانت روحي على كفي، ولكن خشيت على المحصول من التلف".
صورة أرشيفية لإغراق أراضي زراعية بالمياه العادمة شرق الشجاعية

رغم ذلك، تعرضت حليمة وزميلتيها لخسائر متعلقة بتكدس المحصول نتيجة العدوان الإسرائيلي، ما دفعهنَّ لبيعه بأرخص الأسعار، ناهيك عن عدم قدرتهن على إدخال معدّات زراعية يحتجنها.
تعقّب: "الحصار حرمني أيضًا فرصة استيراد بذورٍ لنباتاتٍ غير موجودةٍ في قطاع غزة. الحصار فعليًا طوق يلفًّ حياتَنا من كل جانب".
المزارع خالد قديح، له تجربة أخرى مع الحصار الإسرائيلي الذي حرمه من إدخال أدواتٍ زراعيةٍ حديثة، فاستمر بالعمل اليدوي، كما تسبب حرمانه من التصدير في توقّفه عن تشغيل أيدٍ عاملة، وتعرضه لخسائر فادحة.
يقول لـ"نوى": "سنوات طويلة من الحصار لم نستطع خلالها إدخال آلاتٍ وجراراتٍ زراعيةٍ حديثةٍ لتقليب الأرض كي تدخلها الشمس، وتعطيها العناصر الغذائية والتهوية اللازمة. ما زلنا نعتمد على الحرث اليدوي والجرارات الصغيرة التي لا تناسب طبيعة التربة".
يعتمد أبو روك على الزراعة الموسمية في أرضه التي تبلغ مساحتها 30 دونمًا، إلا أن الاحتلال يحرمه من زراعة نصفها كونها تقع شرقي منطقة خزاعة، أي قرب الحدود تمامًا.
يعقّب: "يمنعنا الاحتلال من زراعة أي محصول يزيد طوله على 170 سنتيمترًا، وهذا تقييد لنا، ناهيك عن إطلاق النار المستمر وتعريض حياتنا للخطر. لقد منعنا من التصدير، وأجبرنا على تشغيل أعدادٍ قليلةٍ جدًا من العمال، فخسر كثيرون فرص عملهم. كذلك قلة الإنتاج جعلت الربح غير مجدٍ، فتعرضت بشكلٍ مستمرٍ لخسائر فادحة نتيجة الانخفاض الشديد في السعر، لدرجةٍ لا تغطي تكاليف الإنتاج".
ونتيجة الحصار الإسرائيلي أيضًا، يعاني المزارعون والمزارعات من الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، وتأثير ذلك على المياه التي أصبح المزارعون يحتاجون إلى كميات أكبر منها بسبب أزمة التغيّر المناخي، "وهذا يجعلنا غير قادرين على جني محصولٍ جيد" كما يوضح خالد.
يختم المزارع الذي يعمل عضوًا في لجنة المزارعين في خزاعة: "أعمل على توثيق الانتهاكات والخسائر، ورفعها للجهات المسؤولة، لكن لا يتم التعويض، وحتى إن حدث، فيكون بمبالغ بسيطة تجعل المزارعين ضحايا للديون، رغم وجود صندوق الطوارئ الذي أقره رئيس الوزراء، ويفترض أن يعمل في قطاع غزة لتعويضهم"، مستدركًا بالقول: "لكنه غير مفعل، وهنا نسأل لماذا لم تفعله وزارة الزراعة المسؤولة عن حماية المزارعين؟".
بين حينٍ وآخر، تعمد سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى فتح السدود المتاخمة لقطاع غزة، وإغراق الأراضي الزراعية بالمياه العادمة، ما يتسبب في إتلاف الأراضي الزراعية.
وقبل عدة سنوات، أغرقت سلطات الاحتلال قرابة ألف دونم شرقي الشجاعية بالكامل بالمياه العادمة، بعد فتحها عبّارات المياه باتجاهها، ما تسبب في إتلاف المحاصيل، وتعرض المزارعين لخسائر فادحة، وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية في ذلك الموسم.
من بين هؤلاء المزارعين، الشاب بهاء الشمالي الذي يمتلك 30 دونمًا زرعها بالمحاصيل الموسمية، التي أُتلفت جميعها.
حينها، قال بهاء لـ"نوى": "زرعتُ الملفوف والسلق والسبانخ والفجل، وكلها تلِفَت"، لكن الأكثر ألمًا هو عدم تلقي المزارعين –ومنذ أعوام- لتعويضاتٍ تعينهم على البدء من جديد، فهم تُقيّدهم ديون زراعة الموسم، وبات عليهم السداد من رأس مالٍ خاسر، ناهيك عن تدبير شؤون أسرهم التي أصبحت بلا مصدر دخل".
بدوره يقول محمد أبو عودة، الناطق باسم وزارة الزراعة في قطاع غزة: "إنَّ سلطات الاحتلال تواصل انتهاكاتها بحق المزارعين منذ الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة عام 2007م حتى الآن".
وتابع: "الاحتلال عمَدَ إلى فرض القيود على القطاع الزراعي، ومنها قيودٌ على استيراد مُدخلات الإنتاج تحت حجج وذرائع واهية وكاذبة مدعيًا أنها مزدوجة الاستخدام، كما يمنع التصدير بحرّية ما يتسبب في تلف المزروعات وتكبيد المزارعين خسائر فادحة، ناهيك عن أن الاحتلال يسدُّ الطريق أمام التواصل مع العالم الخارجي من أجل التدريب وإدخال أجهزة وتقنيات حديثة".
وتابع: "يمارس الاحتلال تضييقًا على مزارعي المناطق العازلة من خلال تقييد الوصول، وإطلاق النار عليهم وتحديد أنواع المزروعات والمحاصيل، والمسافات الزراعية للابتعاد عن السياج الفاصل، التي تصل إلى نصف كيلو متر، ما يحرم المزارعين من فرص زراعة أراضيهم وتحقيق مكاسب من جني المحاصيل".
"يضاف ذلك إلى ممارسات الاحتلال في رش المبيدات السامة على طول المنطقة الشرقية لقطاع غزة، وإتلاف المحاصيل الزراعية، والتسبب في خسائر فادحة للمزارعين، ما يرفع نسبة الفقر والبطالة في صفوفهم، حيث يعاني 55 ألف مزارع ومزارعة من تبعات الحصار الإسرائيلي"، يقول أبو عودة.
ويختم بمطالب الوزارة، المتمثلة بضرورة رفع وعي المجتمع الدولي بهذه الانتهاكات، والمطالبة برفع الحصار عن قطاع غزة، وإعطاء المزارعين حقوقهم في الوصول إلى مدخلات الإنتاج والتصدير، ووقف كافة أشكال الانتهاكات.
