جثامين الشهداء المحتجزة.. لا عنوان للقبر ولا وداع!
تاريخ النشر : 2023-08-27 14:37
السيدة أزهار أبو سرور والدة الشهيد عبد الحميد

غزة:

سبع سنوات، وما زالت أزهار أبو سرور من مدينة بيت لحم بالضفة الغربية، تطالب باسترداد جثمان نجلها الذي قتلته قوات الاحتلال منذ إبريل/ نيسان من العام 2016م.

عبد الحميد أبو سرور (19 عامًا)، الذي كان ضمن أوائل شهداء "ثورة السكاكين"، هو أول شهيد يحتجز الاحتلال الإسرائيلي جثمانه في العقد الأخير، بعد تنفيذه عمليةً فدائية ضد جنود الاحتلال في مدينته، ومن بعده بدأت سياسة احتجاز الجثامين، حتى وصل عددها اليوم إلى 398 جثمانًا.

في مقابلة مع "نوى" تروي أزهار معاناة سبع سنوات قضتها تركض بين أروقة محاكم الاحتلال والأنشطة المطلبية، لعلّها تُحصّل حق دفن ابنٍ ربّته 19 ربيعًا، ولم تحظ ولو بقبلةٍ على جبينه عند استشهاده.

تقول: "حتى الآن لا جديد في قضية احتجاز الجثامين. كل المطالب القانونية لأهالي الشهداء، وحقهم في معرفة أماكن جثامين أبنائهم تذهب هباءً، حتى أنهم لم يتمكنوا من معرفة ما إذا كانوا في ثلاجات، أم في مقابر الأرقام".

بالنسبة لعبد الحميد -كما تروي- فقد نُقل إلى مقابر الأرقام حين صدر قرار الاحتلال بذلك منذ شهر أيار لعام 2017م برفقة أربعة شهداء آخرين، وقد علمت بذلك عام 2018م، ثم وصلتها باقي التفاصيل ضمن ملفٍ باللغة العبرية قامت بترجمته، وهي الآن تعرف اسم المقبرة "عميعاد"، ومكان القبر في صف 12، رقم (141)، ولكنها ممنوعةٌ من زيارته.

"الزيارة ممنوعةٌ حفاظًا على قوة الردع"، هذا ما وصل لأم عبد الحميد، حينما طلبت عبر محكمة الاحتلال زيارة قبر نجلها. لقد تجاهلوا منافاة هذا الرد مع كافة الشرائع الدينية والأعراف والمواثيق الدولية، لهذا فهم حتى لم ينجحوا في إصدار تشريعٍ رسميٍ عبر الكنيست باحتجاز الجثامين، بل هي محتجزة تحت حجة "الاحتجاز المؤقت"، "والمؤقت طبعًا لا محدود الزمن"، تعقّب.

وتكمل: "ربطوا قضية جثامين الشهداء بصفقة تبادل مع حماس في قطاع غزة"، موضحةً أن تدويل القضية هو مسألة ناشد أهالي الشهداء وزارتَي الخارجية والعدل بها، فهي بحاجة لتحرك حكومي، وأهالي الشهداء كان لهم حضور أمام المقرر العام للجمعية العامة للأمم المتحدة الذي أصدر قرارًا يطالب باستعادة الجثامين، "ولكن كلنا نعرف مصير القرارات الدولية".

في قطاع غزة، قتَلَت قوات الاحتلال الإسرائيلي الشاب محمد الناعم نهاية عام 2019م شرقي مدينة خان يونس، ونكّلت بجثمانه من خلال رفعه على أسنّة جرافة في مشهدٍ تناقلته وسائل الإعلام، ولاقى إدانةً دولية، لكن سلطات الاحتلال لم تكتفِ بجريمتي القتل والتنكيل، بل احتجزت جثمانه.

أهل الشهيد محمد الذين ذاقوا لوعة استشهاده ولوعة التنكيل به، لم تتح لهم فرصة طبع قبلة وداع على جبينه، يقول والده في مقابلة سابقة مع "نوى": "منذ لحظة استشهاده، تواصلنا مع الصليب الأحمر الذي أكد لنا استشهاده، ولكن لم نحظ بأي معلومات عن مكان جثمانه".

"جريمة الاحتلال بحق محمد رآها العالم، وتناقلها صوتًا وصورة، وحظيت بإدانةٍ واسعة، لكن ماذا بعد؟" يتساءل الأب الذي يعمل مهندسًا، ويضيف: "تقدمنا بشكاوٍ قانونية لدى مؤسسات حقوق الإنسان التي يمكنها المتابعة مع مؤسسة "عدالة" في الداخل المحتل، لكن الوضع على حاله حتى الآن، رغم ذلك ما زلنا نأمل أن نتمكّن من دفن ابننا وفقًا للشريعة الإسلامية".

والدة الشهيد محمد الناعم

ويزيد: "ربّيتُه يومًا بيوم حتى رأيته مهندسًا، شابًا طموحًا كان لديه من الأحلام كما كل الشباب، كان يتمنى لو أنه يتمكن من بناء مستقبله بشكل أفضل".

يحاول والد محمد جاهدًا السيطرة على أعصابه كلما اضطر للحديث عن ابنه، ربما ليمنع دمعة تخون مقلتيه فتُذرف مجددًا. هو يريد أن يبدو أكثر صلابةً في مواجهة الأزمة.

في اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء الذي يصادف الثامن والعشرين من آب/ أغسطس من كل عام، يبدو أهالي الشهداء، كما الغريق الذي يتعلق بقشة. يتابعون هذا الملف دون كلل، ويفرحون كلهم لأي شهيد يتم تسليمه. هم يعون تمامًا ما تعانيه العائلة التي يحتجز جثمان ابنٍ لها بين براثن المحتل، ويجتهدون سويًا لتجريم الاحتلال، ومنعه من الاستمرار فيها.

بدروه، قال حسين شجاعية منسق الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء: "إن الاحتلال يحتجز حتى الآن جثامين 398 شهيدًا، بينهم 14 طفلًا و11 أسيرًا وخمس سيدات".

وأضاف: "لا يعرف أهالي الشهداء معلومات عن أبنائهم وأماكن احتجازهم. الاحتلال يتعمد إخفاؤها، أما بالنسبة لمقابر الأرقام التي دفنت فيها جثامين 265 شهيدًا، فهي مناطق عسكرية مغلقة لا يسمح الاحتلال لأهالي الشهداء بزيارتها، ليبقى 142 محتجزين في ثلاجات لا يسمح الاحتلال للأهالي برؤية الجثامين فيها، وهذا يجعلهم في حالة نفسية صعبة، فهم يعيشون على هاجس الشكّ إن كان أبناؤهم شهداء أو أسرى".

ينشغل شجاعية والنشطاء معه في الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، في ترتيب فعاليات إحياء هذا اليوم عبر اعتصاماتٍ في نابلس ورام الله وغزة تضامنًا مع أهالي الشهداء، وللمطالبة بالضغط على الاحتلال لتسليم الجثامين.

يقول لـ"نوى": "لدينا تحركات بالمتابعة القانونية دوليًا، لكن الاحتلال يرفض أي تدخل، ويتعامل مع الملف باعتباره سياسي، ويربطه بجنوده في قطاع غزة. أما رد الجهات الدولية فهو لا يليق بهذه القضية، ولا ينسجم مع تعنّت الاحتلال في التعامل مع هذا الملف، الذي يندرج ضمن معاهداتٍ دوليةٍ وقّع عليها الاحتلال نفسه".