غزة:
جحظَت عيناها ومادت بها الأرض وهي تحدّق في الرسالة التي وصلتها على هاتفها المحمول غير مصدّقةٍ ما تَرى، ألجمت الصدمةُ لسانها ولم تعد قادرةً على النطق. تأتأت قليلًا ثم صمتتْ واكتفت بالحسبنة.
هذه المرة ستستلم الخمسينية أمل عوف -حسب الرسالة- مبلغًا يقدر بـ (379 شيكلًا) كمستحقات للشؤون الاجتماعية، وليس (750) كما هو مفترض في موعدها كل أربعة شهور.
صباح يوم أمس الثلاثاء، صُدم الآلاف من مستحقي الشؤون الاجتماعية في قطاع غزة، بتقليص قيمة مستحقاتهم بعد أشهر لم يحصلوا خلالها أي مدخول، حيث وصلت إلى هواتف عدد كبير منهم رسائل تطالبهم بالذهاب لاستلام المبلغ المذكور، الذي لا يكفي لشيءٍ أصلًا، "حتى لسداد الديون المتراكمة" تقول أمل.
وتضيف لـ "نوى": "صُدمت. لأي شيء يكفي هذا المبلغ؟ أخبروني؟ لسداد الديون؟ أم لمراجعات ابنتي المصابة بضعف النظر؟ أم لنفقات البيت؟".
أمل هي أرملة منذ 18 عامًا، كانت تعيل ثلاث فتيات، إحداهن تزوجت في مصر وهي في زيارة لها الآن، والوسطى تخرجت حديثًا من الجامعة، لكن شهادتها محتجزة لتعذرها في دفع مبلغ 200 دينار بسبب ظروف عائلتها الصعبة، والثالثة ما زالت تدرس بالجامعة وتعاني ضعفًا في النظر.
تروي السيدة أمل: "كنت أحصل على 750 شيكلًا، بالكاد يكفوا لتسديد بعض النفقات، ولولا كوبونات الوكالة (الطرود الغذائية التي توفرها وكالة الغوث) لكانت الظروف أصعب".
تكمل: "آخر مرة تلقيت فيها المبلغ كانت أواخر شهر رمضان، والآن كنت أنوي شراء هدية لابنتي قبل عودتها إلى مصر، فظروفها أيضًا ظروف صعبة، لكن كل هذا لن يحدث".
لا تعرف السيدة بعد سبب هذا الخصم في المبلغ، نار الحر في هذا الوقت من الصيف لا تكاد تخففها حركة المروحة التي تعمل على شاحن بسبب انقطاع الكهرباء، وحتى خيار اشتراك كهرباء من تلك المولدات المنتشرة في الأحياء السكنية غير وارد، فهو مكلف بالنسبة لها.

تعقّب: "الكهرباء عندي على الكرت، أضع قيمة 25 شيكل، فيتم سحب 8 شواكل فورًا بسبب متأخرات الدفع، حتى فيما يتعلق بالمياه عليّ متأخرات، وأعلم أنه من الواجب تسديدها ولكن ما باليد حيلة".
أمام بنك فلسطين وسط مدينة غزة، صرخ الآلاف ممن يشابه حالهم حال أمل، وتساءلوا في حيرة عن سبب هذا الإجحاف، لا سيما وأن هناك من تسلموا المبلغ بشكل عادي.
يصرخ ستيني من على كرسيّه المتحرك: "370 شيكلًا فقط! شو أعمل فيهم؟ ديون الصيدلية عليّ وصلت لألف شيكل".
يحمل الرجل الستيني مجموعةً من الأوراق الطبية التي تشخص حالته، ويصرخ في وجوه الناس فوضعه ازداد تأزمًا وحالته زادت سوءًا.
سيدة أخرى تدعى أم محمد تقول: "جئتُ من رام الله قبل أيام. لقد كنت في رحلة علاج، وكلي أمل أن أتلقى المبلغ الذي أتسلّمه في كل مرة لتكملة نفقات العلاج. المبلغ الأصلي لا يكفي فما بالك بهذه الكارثة".
تحمل السيدة بين يديها مبلغ 370 شيكلًا وتقول: "نحن 6 أفراد في البيت، قولوا لي لماذا يكفي هذا المبلغ؟ كهرباء، أم مياه، أم طعام، أم مواصلات، أم تجهيزات مدارس الصغار. أخبروني لأي شيء يكفي هذا المبلغ؟".
وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي منشورات تروي قصصًا لأناس صدمهم تلقيهم هذا المبلغ الضئيل، في ظل تراجعٍ حاد في الوضع الاقتصادي، ورغم تشديدهم على أن المبلغ الأصلي بالأساس ضعيف، لكن ما جرى كارثة بكل المقاييس.
وبينما امتنعت وزارة التنمية الاجتماعية في غزة عن التعقيب على الموضوع، نظم المتضررون وقفة احتجاجية ضد المجزرة التي طالت مستحقاتهم.
صبحي المغربي أحدهم، وهو أيضًا ناطق باسم الهيئة العليا للمطالبة بحقوق منتفعي الشؤون الاجتماعية. بدأ حديثه لـ"نوى" بإدانة هذا الإجراء "لما فيه من إجحاف بحق المواطنين".
وقال المغربي: "ملف الشؤون الاجتماعية فيه إشكاليات منذ خمس سنوات، والناس ينظمون اعتصامات منذ ثلاث سنوات، أما وقفة اليوم فهي بسبب التقليصات التي طالت أكثر من 18 ألف أسرة كانت تتلقى ما بين 750، و1800 شيكلًا، كلهم تسملوا 370 شيكلًا فقط".
وتابع: "أنا ممن يتلقون مبلغ 1800 شيكلًا، ولدي مريضة سرطان في البيت تحتاج الكثير من النفقات. تلقيت اليوم 370 شيكلًا، فماذا أفعل بهذا المبلغ؟".
وكان موقع راديو علم، نشر يوم الاثنين الماضي تصريحًا نقلًا عن مصدرٍ مسؤولٍ بالوزارة في رام الله، يقول إن الحكومة الفلسطينية صرفت 50% من حصتها بشيكات الشؤون.
وتابع المصدر: "المستفيد من الشيك عبر الاتحاد الأوروبي سيستلم دفعة كاملةً تبدأ من 750 شيكلًا حتى 1800 شيكل"، بينما "المستفيد من الحكومة الفلسطينية "صاحب الشيك باللون البنفسجي" سيستلم 365 شيكلًا فقط، أي "نصف دفعة"، منوهًا إلى أن السبب في ذلك يعود "لأزمة الحكومة المالية".
ولفت المصدر إلى أن هناك 20 ألف مستفيد في قطاع غزة يتقاضون مستحقات الشؤون من الحكومة؛ وسيتقاضون 365 شيكلًا، بينما البقية يستفيدون من الاتحاد الأوروبي مباشرةً.
