"غارقون بضَعف الوعي".. شهادات منقذين في بحر غزة!
تاريخ النشر : 2023-08-12 08:28

غزة:

مرَّ مساء الجمعة عاديًا على شاطئ بحر غزة حتى تعالت أصوات أناسٍ يصرخون: "غرقوا.. غرقوا".. عائلةٌ مكونةٌ من 15 فردًا غرقت!

سرعان ما قفز منقذو البرج القريب، وتبعهم على الفور اثنين من برجٍ آخر قريب. حاولوا السيطرة على حالة الغرق الجماعية هذه فنجوا جميعًا وخرجوا بخير إلا واحدًا، انتشله المنقذون من بين الأمواج العالية مغشيًا عليه بعد أن ابتلع كميةً كبيرةً من المياه المالحة.

الحادثة وقعت قبل شهرٍ قرب منتجع الفروسية -وفق المنقذ البحري رأفت زايد- الذي كان أول الواصلين للشاب الذي فُقد تحت المياه. يقول لـ"نوى": "كان في حالةٍ صعبة، لدرجة أنني نفذت الإسعافات الأولية له (قبلة الحياة) وأنا أسحبه وليس على الشاطئ. بمجرد أن رآنا والده انهار، وقفز يرجو إنقاذ ابنه فلما عرفت أنني منقذ ومدرب هدأ روعه".

وصل الإسعاف بعد 45 دقيقة، ونُقل الشاب للمستشفى ومكث نحو 19 ساعة في غرقة العناية المركزة حتى استعاد وعيه. يعقّب رأفت: "عملية الإنقاذ السريعة -حرفيًا- حافظت على حياة الشاب".

وسجّل الصيف الحالي في قطاع غزة وفاة سبع مواطنين غرقًا على شواطئه إلى جانب حالات الغرق اليومي، التي فاقت 1500 حالة موزعة على طول شواطئ القطاع الذي يتوزع فيه 137 برج مراقبة، يتبعون لـ 10 بلديات.

وتابع زايد: "بشكل عام، وفي شهري يوليو وأغسطس، تكون تيارات البحر قوية والرياح جنوبية غربية، وأيضًا تغيّر المناخ يتسبب في هذه التقلبات، لكن البحر هذا العام أفضل من أعوام سابقة"، مشيرًا إلى أن حالات الغرق عادة تحدث خارج فترة دوام المنقذين الذي يمتد بين الثامنة صباحًا والثامنة مساءً.

ويجزم الشاب بأن الناس قديمًا كانت تستجيب لتعليمات المنقذين بشكل أفضل، "فاليوم نوزع الرايات الملونة على طول الشاطئ بدلالاتها المختلفة: حيث الأسود يعني ممنوع السباحة، والأصفر يشير إلى ضرورة السباحة بحذر، والأخضر بمعنى مسموح السباحة، ومع ذلك نجد الناس يميلون للسباحة في المكان المحذّر منه، وإن حاول المنقذون التدخّل تواجههم معاملة غير لائقة".

ويتابع: "عندما نمنع السباحة في مكانٍ ما مثلًا، نجد شبانًا يثيرون معنا مشكلة، وهناك من يحاول فرض شخصيته علينا وهذا سيء جدًا. نحاول التماسك بشكل كبير كي لا يحدث شجار، ولكن الخلاصة تكون دائمًا: عليكم الالتزام بالتعليمات فهذا لمصلحتكم".

ساهم رأفت في إنقاذ أكثر من 30 حالة منذ بداية الموسم الحالي. عدد المصطافين عادة يكون كبيرًا خاصة يومي الخميس والجمعة حيث يرتفع عدد المنقذين فوق البرج من 4 إلى 5 أفراد، لكن رغم ذلك يؤكد الشاب وجود نقصٍ في الإمكانيات اللازمة للإنقاذ مثل حسكات الموتور التي يمنع الاحتلال دخولها.

وللمنقذ البحري أحمد السلطان تجربة أخرى، فمن خلال عمله على مدار 14 عامًا كمنقذ على شاطئ بحر مدينة بيت لاهيا شمالي القطاع، يقيم وضع الاصطياف على البحر هذا العام بأنه أفضل من سنوات سابقة بكثير، "وحتى حالات الغرق أقل، وغالبيتها بسبب عدم الاستجابة لتعليمات السباحة الآمنة".

يقول لـ"نوى": "يرتكب الناس الكثير من الأخطاء وأبرزها السباحة في أماكن محظورٌ السباحة فيها، فخلال الفترة القصيرة الماضية أنقذت نحو 30 فردًا كانوا على وشك الغرق وهذا عددٌ كبيرٌ  طبعًا، لكن المحزن أن غالبيتهم من الأطفال، فالناس تأتي بصغارها ولا ينتبهون لهم".

قبل مدة قصيرة، كان أحمد وزملائه من المنقذين، يجمعون أدواتهم استعدادًا للمغادرة.. حدث ذلك قبل عشر دقائق فقط من انتهاء دوامهم في الساعة الثامنة مساءً، وأثناء سيرهم على الشاطئ فوجئوا بموجة عالية تسحب طفلة لا يزيد عمرها على ثلاث سنوات. قفز خلفها الشاب وأخرجها وهي على وشك الغرق، ولم يكن أهلها قد انتبهوا بعد لاختفائها القصير، الذي كان يمكن أن يدفعوا ثمنه حياتها.

وتابع: "لو كنت في البرج لما رأيتُها؛ لأن الأطفال بهذا الحجم ليسوا ظاهرين بالنسبة لنا، لهذا نهيب دومًا بالعائلات الانتباه لأطفالهم في هذا السن تحديدًا".

يروي قصة أخرى لشاب كان يسبح في البحر على بعد 300 مترًا! وهذا يعدّ من وجهة نظرهم سبّاحًا، وبالتالي يغير المنقذون وجهة انتباههم لمن لا يعرفون السباحة.

وتابع :"وأنا أراقب فوجئت بالشاب يضرب المياه بقوة عدة مرات، ثم خلع كنزته ولوّح بها عاليًا. فهمتُ أنه في حالة غرق، وسارعت فورًا إلى البحر. ركبت مركبًا سياحيًا كان يتواجد في المكان ولحقت بالشاب في آخر لحظة".

وأضاف الشاب الذي يعمل بنظام العقد الموسمي: "كل عام نكرر كلامنا حول نقص بعض الإمكانيات المهمة لنا نحن المنقذين، الحسكة ذات الموتور على سبيل المثال، التي تجعل عملنا أفضل، والوصول لحالات الغرق أسرع".

وتبقى الوصية الأهم بالنسبة للمنقذين البحريين، أن يستجيب الناس لتعليماتهم التي من شأنها الحفاظ على حياتهم، وجعل رحلتهم ممتعة بلا منغصات، وألا يعودوا في نهاية يومهم فاقدين أحد.