انشق الصبح ومال الضوء إلى ربوع ،ومرابع منها ما سلم ومنها ماجبلتّه طائرات الغدر بالحفر ، وخرج الأحبة إلى الأحبة يتفقدون لحمهم وأرحامهم ، ويرفعون ما علا فوق الدمار ، وما خبأته جدران تحطّمت في الديار ، وأخرون أخذتهم أقدامهم إلى المقابر ، في وداع من لم يستطيعوا أن يودعوهم يوم أن ترجلوا ، ونساء فتحن الدعاء على الغزاة بالطول والعرض ، والدمع يسيل من المقل كأرانب تهرب إلى نجاتها من عجزها ، وأطفال تفقدوا ألعابهم وأسرتهم ودفاترهم ، بكثير من التحنان ، ومرضى تنفسوا الهواء ولكنهم لم يستطيعوا الذهاب إلى المستشفيات لحشود الجرحى والمصابين الجدد ، وروح الإيثار ترابط على قلوبهم ، وكان فيهم الوفاء وسهم من سهام الصمود ، وهن البائعات خرجن ومنهن الطبيبات اللاتي لم يغمض لهن جفن طيلة أيام العدوان .
غزة اليوم وبعد التهدئة بساعات ، خلية نحل في أوج نشاطها ، مساراتها مختلفة ولكنها كلها تتبع أثر عدوان غاشم ، وتقول سنحيى هنا ، ونكمل الحياة التي نحبّ.
هناك في طابور طويل أمام بيت عزاء ، لا يبكون على من رحلوا بل يهنئون بعضهم بعضاً ، وكأن اليقين نزل على قلوبهم ليقول لهم أن الصاعدين الى السماء ، تسلموا مفاتيح أنعامهم وهم يهنئون الأن ، هي روح الإصرار في شعب يعيش نضالاً من أجل حقوقه ، هي روح التحدي في أمة تكبر في جراحها وتزداد قوة ، هي روح الحياة المتجددة بعد كل عدوان .
في غزة اليوم لا يتكلمون عن "هزيمة" بل عن نصر حققه رجال المقاومة ، وحق لهم ما يتكلمون به ، فدك تل أبيب والقدس بالصواريخ يعني أننا اقتربنا نحو الباب الموعود ، والبئر التي تنتظرنا منذ سنين.
كما يحق لإطفال غزة اليوم أن يرفعوا براءتهم للسماء ويطلبون النجومية الكاملة لأنهم هم أبطال المعركة الذين عمّدوا بدمائهم الذكية أروع معاني الفداء ، وأبطالهم في المقابر الأن على وسائد الخلود المعجل ، فمنهم رزان ، وعمر ،ووليد ،وحنين ، وعدي ، ويوسف وأخرون يسبحون في ملكوت العزة والشموخ .
في غزة نساء رحلن ودخلن زهو الانتظار ، يسمعون ترانيم أولادهن في سرية مفعمة بالحنين ، ويقرؤون السبع المثانِ عليهم مع كل نازلة ، ومن تركن من خلفهن يحطبنّ الأحزان بنار الأمل .
في غزة رجال وأن تألموا ، أكثر إصراراً من ذي قبل ، يواجهون الغد بكل جدارة .
غزة التي لا تعرف الهزيمة ، تنتصر اليوم لكل فلسطين
