رحلةٌ إلى احتمالية "الموت".. في مراكب صيدٍ "تُحتضر"
تاريخ النشر : 2023-08-01 09:37

غزة:

قبل عام، استبشَرَ الصّياد زهير أبو عميرة خيرًا بإمكانية عودة مركبه للعمل مجددًا، وانتهاء سنواتٍ طويلة، كان شبح الموت فيها يرافقهم يوميًا حتى يعودوا. "لكن الحلم لم يتحقق" يقول لـ"نوى".

في منتصف فبراير من عام 2022م، أعلن مكتب المنسق الأممي لعملية السلام في الشرق الأوسط تور وينسلاند، سماح الاحتلال الإسرائيلي بإدخال مادة "الفيبر جلاس" للصيادين في قطاع غزة، لأول مرة منذ 16 عامًا، منعت خلالها بحجة "ازدواجية الاستخدام".

كانت بادرة أمل، لكن ما حدث مع زهير كان مخالفًا للتوقعات، عندما حصل على كمية "فيبر جلاس" تكفي لمركبٍ واحد من أصل مركبين يعمل عليهما هو وأولاده.

يخبرنا: "يوميًا نُضطر لسحب كميات كبيرة من المياه التي تدخل إلى المركب وتضعنا أنا وأبنائي تحت خطر الغرق. لم يخضع مركبي للصيانة منذ عام 2014م، وقد تلف خشب قاعدته"، موضحًا أن الحصول على محرّك جديد يحتاج إلى تسجيلٍ "ربما لا يصلني فيه الدور أبدًا".

ويتجاوز سعر المحرك اليوم مبلغ 170 ألف شيكل بعد أن كان بـ 5000، وهذا مبلغ لا يقدر عليه هو أو غيره من الصيادين، الذين يقترب عددهم من 4500 في قطاع غزة، كلهم يحملون قصص المعاناة نتيجة الحصار البحري الإسرائيلي المتواصل لأكثر من عقدٍ ونصف. المشترك بينهم هو معاناتهم من ضيق مساحة الصيد، ومنع الاحتلال إدخال المحركات، وتعطيل دخول مادة الفيبر جلاس اللازمة لإصلاح المراكب.

على مقربةٍ من الشاطئ، يقف الصياد ناهض أبو عميرة، ويقول مشيرًا إلى مركبه الذي يتهادى مع أمواج البحر: "خشب المركب تالف، وعمر محرّكه منذ الثمانينيات. وضعه سيء ويعرضنا للخطر".

أكثر من مرة، عانى الرجل من توقّف المركب في عرض البحر، واضطر زملاؤه للبحث عنه، وسحبه إلى الشاطئ، ولهذا اضطر للعمل صيادًا لدى أحد أصحاب المراكب.

الصياد مفلح أبو ريالة أيضًا، سجّل اسمه للحصول على مادة "الفيبر جلاس" لإصلاح مركبه، وتمت الموافقة على اسمه بعد فحص مركبه، وإيلاغه بالقدوم إلى الورشة التي يُشرِف عليها مراقبون دوليون، ولكن تعطّلَ كل شيء!

يقول مفلح، وهو عضوٌ في نقابة الصيادين: "حصلت على موافقة للحصول على ثلاث علب من الفيبر جلاس، ولكن أردت أن يتم إصلاح المركب الذي أعمل عليه أنا وإخوتي وليس هذا المركب، فرفضوا وقالوا فقط المركب الذي تمت الموافقة عليه، لهذا لم أذهب".

مادة الفيبر جلاس

ويؤكد مفلح الذي ما زال ينتظر إصلاح مركبه، أن الشروط التي يتم وضعها مجحفة، والموافقة رهن مزاجية الاحتلال.

ويبدي زكريا بكر، مسؤول لجان الصيادين، غضبه إزاء الآلية التي لم تسهم في حل مشكلات الصيادين بغزة، "بل زادتهم إحباطًا"، قائلًا: "قرابة 1050 مركبًا بحاجة لمادة الفيبر جلاس، التي تعدّ أساسية في صناعة السفن، وهناك 900 حسكة جسمها مصنوع من المادة المعروفة باسم الألواح الزجاجية، التي تصبح بعد طلاء المركب ولفها بالشاش أقوى من البلاستيك".

الشاش الملحق بمادة الفيبر جلاس

حظْر الاحتلال إدخال هذه المادة إلى قطاع غزة منذ 17 عامًا، رفع سعر الجالون من 180 شيكلًا إلى 4500، والآن انخفضت إلى 600 شيكل.

ويوضح بكر أن الحاجة لها باتت ملحّة في ظل تعرّض مراكب الصيادين لإطلاق نارٍ مستمر من قبل زوارق الاحتلال، ناهيكَ عن أن وجود المراكب على الشاطئ يتلف سطحها، والاحتلال لا يسمح بدخول هذه المادة إلا ضمن شروطٍ ظالمة، وبكمياتٍ مقننة جدًا.

وفقًا للآلية المتبعة، يتقدم الصيادون بطلب لدى الإدارة العامة للثورة السمكية من أجل إصلاح المركب، لترفع الأسماء بعدها إلى الجهة الدولية الضامنة للاتفاق، التي تفحص المركب وتحدد احتياجه، وبعد موافقة الاحتلال "إن وافق"، يتم سحب المركب لورشةٍ يُشرف عليها مراقبون دوليون شمالي القطاع، وأي كمية تزيد يتم إرجاعها للاحتلال.

الأخطر من "الفيبر جلاس" هو "المحركات" كما يوضح بكر، فهي تشكل خطورة على حياة الصيادين، وقد تعرضت مراكب للانقلاب والتعطّل بسببها مرارًا، متابعًـا: "المحركات تستهلك كميات كبيرة من الوقود، وتحتاج إلى صيانة مستمرة، وهذا ما جعل الكثير من الصيادين مديونون لورشات الصيانة".

وزاد مفترضًا: "تخيلوا إن تعطّل أحد المراكب في البحر، فإن تحريك مركب لسحبه يكلف 1000 شيكل، ناهيك عن أن انقطاع الاتصال مع الصيادين على متنه، يجعل البحث عنه صعبًا للغاية"، فمركب الجر (حسب بكر) يكلف كل ليلة 6000 شيكل، والصغير 1200 شيكل كنفقات وقود.

يختم: "الصيادون بحاجة لرزمةٍ كاملةٍ من الحلول وليس فقط حلًا للفيبر جلاس"، مسجلًا عتبه على الإعلاميين الذين يروّجون لرواية الاحتلال عند الحديث عن توسيع مساحة الصيد؛ "فالصحيح أنه أعاد ترسيمها فقط".

يوافقه الرأي م.جهاد صلاح، مدير عام الثروة السمكية بوزارة الزراعة، الذي يؤكد أنه بتقييم البرنامج بعد عامٍ من بدئه، فإن النتيجة صفر، وما تحقق فعليًا لا يتعدى 5% مما تم الاتفاق عليه، وليس من المطلوب فعليًا.

وشرحَ أن الصيادين يعانون الكثير بسبب مواصلة الاحتلال الإسرائيلي منع دخول لوازم الإنتاج من أدوات صيد ومحركات وقطع غيار وغيرها، حتى أن المحركات تعدّ أولوية قبل الفيبر جلاس، "ومكتب المنسق الأممي خاض محادثات ماراثونية مع الاحتلال من أجلها" يعقب.

وتابع غاضبًا: "منذ البداية كانت لدينا تحفظات على الاتفاق بسبب التقنين والشروط الصعبة، ولكن تلقينا وعودات بأنها بادرة فقط، وبعدها ستكون الأمور متاحة لاستيراد المزيد، ولكن ما حدث العكس".

وأوضح صلاح أن ما تم إدخاله على مدار عامٍ كامل هو 1 طن من الفيبر جلاس، ومثله الشاش وملحقاته، إضافة إلى محركات بقوة 25 حصانًا استفاد منها 18 مركبًا فقط، وهي مراكب صغيرة غير المراكب المستخدمة للصيد، التي ما زالت تعاني عدم دخول المحركات.

وأردف: "ما يحدثُ أننا حين نرسل أسماءً عن طريق الوسيط لا يتم الموافقة على الجميع، يرفض البعض ويتم التحفظ على البعض".

وتابع: "البرنامج متوقف عمليًا رغم عدم وجود قرار رسمي بذلك، فمنذ نحو خمسة شهور لم يتم رفع أسماء، وهذا ما يجعل واقع الانتظار لدى الصيادين أصعب بكثير".