جنين/ شبكة نوى- فلسطينيات:
انتهت حفلة "حناء العروس"، وعادت بتول (18 عامًا) إلى البيت برفقة والديها، وأخواتها وشقيقيها. هناك وجدت صديقتها تنتظر، وتحمل بين يديها كعكعةً يعلوها مجسم "عروس" ترتدي فستانها وتبتسم.
تعانقتا وتعاهدتا بأن تكونا في الغد معًا خطوةً بخطوة حتى دخول قاعة العرس، لكن لحظات الفرحة لم تكتمل! سقطت الكعكة أرضًا، وانكسر المجسّم. حدث ذلك مساء الثاني من تموز/ يوليو الجاري.
ضحكت "بتول" مستعليةً على انقباضة القلب، ونظرت إلى فستان عرسها المعلق في الغرفة؛ لتقرأ رسالةً من الله يخبرها فيها أن تستبشر خيرًا، فغدًا ستبدأ "الأميرة" حياةً جديدة يملؤها ودٌ وخيرٌ وحب.
هنا منزل المواطن أحمد أبو عطية في الحارة الغربية من مخيم جنين، شمالي الضفة الغربية، حيث انقضى الليل بابتسامةٍ أرسلتها العروس لقلب والدتها "هيام"، التي كانت تكنس ساحة البيت الصغيرة استعدادًا لفرحة الغد. انتصف الليل على عجل، لكن دوي انفجارٍ قريبٍ جعل الوقت يتباطأ فجأة! هرعت الأم إلى الداخل، وحملت بين ذراعيها أصغر أبنائها لجين (عام ونصف)، ونور (3 سنوات)، ثم اندلعت اشتباكات في المحيط، وبدأت الانفجارات تتوالى.. فجر ذلك اليوم، بدأ اجتياح المخيم.
قُصِفَ منزل، ثم توالت الغارات الجوية بالتزامن مع هجومٍ على الأرض بالآليات العسكرية. أثناء ذلك طرقت الباب العمة خلود، التي خشيت من البقاء في بيتها القريب وحيدة. أغلقت الباب خلفها، ثم ارتفع صوت تحطّم شيءٍ في الساحة! وسط صرخات الأطفال ورعبهم، ابتعدت العائلة عن الصالة، وتوجهت إلى غرفةٍ في آخر الممر، قبل أن يبدأ أحدهم بطرقٍ عنيفٍ على الباب.
عدٌ تنازليٌ من 10 إلى 1 باللغة العبرية ثم انفجار. دخانٌ غطّى جوّ البيت، وأصوات البساطير العسكرية طغت على أصوات صرخات الخوف والرعب هناك! خلال ثوانٍ اكتظَّ المنزل بالجنود الذين صوّبوا أسلحتهم باتجاه الكل يتقدمهم كلبٌ شرس!
العمة خلود ظنّت أن كبر سنّها سيحمي العائلة لو تقدّمت باتجاه الجنود للتحدث معهم، لكنها لم تتوقع أن يهاجمها الكلب بعد خطوتين بالعدد، "لقد أحكم فكّه على راحة يدي، ولم يكترث الجنود لصرخاتي ووجعي أبدًا" تقول.
في جانبٍ آخر من المشهد، كان الجنود يكبّلون أيادي الرجال هناك، "الأب والشقيقين". غطّوا أعينهم، واقتادوهم إلى خارج المنزل، وبكل برودٍ بعدها تقدّم جنديٌ من كلبه، وأبعده عن العمة مريضة السكري، التي بدأت يدها تنزف بشدة.
جمع الجنود العائلة كلها في زاويةٍ واحدة، ثم أحضروا طعامًا، وبدأوا بتناوله وتبادل الأحاديث، مستبيحين بذلك البيت وحرمة أهله. أحدهم كان ممدًا على الأريكة، ثم قام باتجاه الأم هيام، وطلب منها ماءً باردًا، فلما ردت بـ"غير موجود"، قلَب الثلاجة على الأرض. "هذا كله حدث في أقل من ساعة" تخبرنا، مضيفةً: "لقد تركوا البيت كومةً من الخراب".
بالقرب.. وقف بعضهم يتشاورون حول تفجير المنزل كله كما فهمت هيام، فلما انفضّوا صدح دوي انفجار صمّ الآذان. الدخان ملأ المنزل، وقطع الزجاج تطايرت وتناثرت هنا وهناك. استوعبت العائلة أن تفجيرًا حصل في بيتهم وهم بداخله، وهذه حقيقة "لقد فجروا إحدى الغرف، وانتقلوا منها إلى داخل المخيم.. من هنا بدأ الاجتياح".
بعد ذلك الخراب، سمحَ الجنود لهيام بأخذ أطفالها والانسحاب من البيت برفقة العمة خلود، التي شدّت على جراح كفّها بيدها الثانية، وكتمت صرخة قهرٍ ووجعٍ لا يتحملها جبل. عندما اجتازوا باب المنزل رأوا حائط الساحة مهدومًا، وأدركوا أن الجنود ردموه ليدخلوا منه إلى بيت الجيران. تجاوزوا سلالم الساحة المؤدية للباب الخارجي، ورأوا من خلال فتحة الجدار عددًا من الجنود المدججين بالأسلحة يحيطون بالمنزل، والقناصة ينتشرون فوق كل ارتفاع، والكلاب المدرَّبة تنبح في جُنح الليل فتخلع أصواتها القلوب وسط ضحكات الجنود.
توجّهت العائلة إلى منزل أحد الأقارب بحالةٍ من الهلع، ولم يعلموا كم لَبِثَ الجيش في منزلهم. بعد فترةٍ عاد أبناء عمومتهم الذين تم اقتيادهم برفقة الوالد، لكن الوالد لم يعد معهم. وعقب انسحاب الجيش بعد يومين، عادَ الجميع أدراجهم يتفقدون منازلهم وسط الخراب.
توجّهت هيام إلى المنزل، ووجدت صورة الخراب فيه على حالها. تجاوزَت الساحة المفروشة بحجارة الحائط المدمر، ووقعت عينيها على نوافذ الصالة المكسورة. دخلت بيتها، فوجدت طقم الاستقبال مبعوج كما لو كان كومةً من الخردة، وطاولة المطبخ لا تقف على قدمين، ومن خلفها الزجاج والخزائن كلها محطمة!
إلى اليسار كانت غرفة بناتها الثلاث كما لو كانت مهجورة. الأسرّة مكسّرة، وحطام النوافذة وحجارة الحوائط تغطّي على أقمشةٍ زاهية غفلت عن أنها "فساتين غصون وورد وجوري أخوات العروس" التي كُن فرشنها على الأسرة ليمتعن نظرهن بجمالها وبقيت على حالها لدى مغادرتهن البيت عنوة. بقربها ووسط كل هذا الدمار رأت فستان "بتول" الأبيض.. فستان العروس، ممزقًا كقلبها! تكسوه أغبرة الركام، وتسوقه إلى "مثواه الأخير" ذكرى فرحةٍ اغتالها الجنود بوحشية. بقي الفستان في غرفة بتول شاهدًا، وسُرق الذهب الذي كان في خزانتها! تقول الأم: "سرقوا فرحتنا، الذهب لا شيء أمام ما ضاع".
انقضى الاجتياح، ومرَّ يومان آخران ثم عاد الوالد من الاعتقال، وحددت العائلة اليوم التالي موعدًا لذهاب "بتول" إلى منزل زوجها لكن بهدوءٍ دون فرح، ودون فستانٍ أبيض، ولا أصوات زغاريد حتى!
تدمع عيون شقيقها مجد ذو الـ 14 عامًا على استحياء، فينسحب دون أن يسلم عليها، بينما تقترب منها شقيقاتها ويعانقنها فيبللن بدموعهن الثوب. خرجت بتول مع عريسها وعدد من أفراد عائلته، وعادت أمها هيام إلى المنزل. ألقت نظرة أخرى على الفستان الأبيض الذي عُلّق بالقرب من سرير بتول، ذرفت دمعةً وتجاوزت حائط الأمنيات بعدما عادت إلى واقع ما حل ببيتها من دمار. تذكّرت سقوط الكعكة ليلة الحناء، لكنها لم تتوقع أن تسقط معها الفرحة، ويتبعها الأمان الذي تحتاج إلى أيامٍ طويلة لتعيده كشعور إلى قلوب أطفالها الذين عاشوا تفاصيل الموت ببشاعة على أيدي جنودٍ يستمتعون بسماع صراخهم.
