العمل الحر.. تحديات من قلب ثورة "الروبوت"
تاريخ النشر : 2023-07-12 12:44

غزة:

حالةٌ من الذهول عاشتها "سوسن"، وهي كاتبة محتوى، عندما استخدمت تطبيق (تشات جي بي تي) للمرة الأولى. تقول: "شعرتُ بأنني أتحدث مع شخصٍ حقيقي يعطي إجابات فائقة السرعة والتنظيم في مجالات تخصصية مختلفة".

مع الوقت، بدأت سوسن، التي تعمل بشكل حر، تكتشف أخطاءً في محتوى النصوص التي يقدمها التطبيق "أو تضليلًا" على حد تعبيرها، "وهو ما يتطلب التحقق الدائم من صحة المعلومات، وإعادة صياغة النص ليتناسب مع أسلوبي المعروف في الكتابة" تضيف.

في قطاع غزة، لجأ عدد كبير من الشبان والشابات للعمل عن بُعد؛ هربًا من شبح البطالة الذي لاحقهم طوال سنوات الحصار، وبرغم إثبات معظمهم كفاءتهم في مجالات العمل التي يؤدونها، إلا أن ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي وتدخّلها في الإنتاجية على صعيد كافة التخصصات (ككتابة المحتوى، والبرمجة، والتصميم)، شكلت هاجسًا أمام فرضية الاعتماد عليها بالكامل، والاستغناء عنهم مستقبلًا، برغم أن نسبةً كبيرةً منهم باتوا يعتمدونها في تسهيل إنجاز أعمالهم.  

ويعد "الذكاء الاصطناعي" مصطلحًا شاملًا للتطبيقات التي تؤدي مهام مُعقدة كانت تتطلب في الماضي إدخالات بشرية، مثل التواصل مع العملاء عبر الإنترنت أو حتى لعب الشطرنج. بعبارةٍ أخرى، هو سلوك وخصائص معينة تتسم بها البرامج الحاسوبية، تجعلها تحاكي القدرات الذهنية البشرية وأنماط عملها، أهمها القدرة على التعلم، والاستنتاج، وإعطاء رد فعل على أوضاعٍ لم تُبرمج في الآلة.

ومثل سوسن، التي رأت أن دخول هذه التقنيات زاد من مستوى التنافسية في مواقع العمل الحر، يراها المصمم ومدرب العمل الحر منذر أبو لحية أدوات مهمة في عمل المصمم، تزيد إنتاجيته وتُحسِّن أداءه، وتمكِّنه من رؤية مشروعه من زوايا جديدة، وتعطيه أفكارًا وتصورات يمكن البدء منها والتعديل عليها للوصول إلى النتيجة المطلوبة، مؤكدًا أن "تقنيات الذكاء الاصطناعي لا تحل محل المصمم، بل تكمل وتعزز عمله فهي تعطي أدوات لاتخاذ قرارات أفضل".

وقال: "استخدام المصمّم لتطبيقات مثل تشات جي بي تي، وميدجيرني، وكوبي إي آي، يساعده في تحقيق مزايا تنافسية، ويزوده بأدوات قوية لتحسين أدائه وفهم عملائه"، موصيًا المصممين المستقلين بضرورة تحديد الأهداف بدقة قبل الشروع في استخدام هذه التقنيات، وصياغة الأسئلة بطريقة ذكية بإعطاء تفاصيل كاملة، "فكلما كانت البيانات التي يتم تزويدها بها أكبر وأدق، كلما كان الناتج أفضل وأقرب".

من جانبها، أشارت م.تسنيم دحلان، وهي مبرمجة ومدربة في مجال العمل الحر، إلى أن اهتمام العامل عن بعد بتطوير الذات على مستوى المعرفة والمهارة، والبقاء على اتصال مع مستجدات تخصصه، هو ما يميزه عن منافسيه في ظل التطور الهائل في أدوات الذكاء الاصطناعي.

ونوهت إلى ضرورة اهتمامه بتجريب هذه الأدوات، واختيار الأفضل منها، لأنها ما تزال تجريبية، ولا تتوفر تدريبات خاصة بها، وإن كانت بعض مؤسسات التدريب على العمل الحر، قد بدأت بتخصيص مساحةٍ لها ضمن جزئية التدريب على الأدوات.

وتوقعت دحلان أن يستمر الطلب في سوق العمل الحر على المهارات التشغيلية، مثل البرمجة وكتابة المحتوى والتصميم، وأن إتقان استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والاستفادة منها، سيرفع مستوى التنافسية بشكل غير مسبوق، وسيحدد أفضلية العامل الحر.

ونبهت إلى أن السوق سيتسع تدريجيًا ليعطي حصة أكبر للمهارات المتعلقة بالبيانات وجمعها وتحليلها، لتغذية تقنيات الذكاء الصناعي وتطويرها، وأن البقاء والتميز سيكون للعامل الحر الذي يكون واعيًا لهذه التحولات، ويعرف كيف يوجه طاقته نحو خيارات أفضل.

المهندس أشرف الأسطل استشاري الأعمال الرقمية، تحدث بدوره عن تأثير الانتقال إلى عصر الثورة الصناعية الخامسة على المستقبل المهني للعمل الحر، فأوضح أن أي تقدم باتجاه استغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي هو فرصة لتطوير أعمال المستقلين، وتحدٍ لمن يريد دخول المجال بدون معرفة.

وأشار إلى أن هناك تقاطع لأنظمة الذكاء الاصطناعي مع كل مجالات العمل الحر المعروفة حاليًا، وأبرزها التصميم الجرافيكي، والترجمة، وكتابة المحتوى، والبرمجة، والتسويق الرقمي.

وأكّد أن ثورة الذكاء الاصطناعي ما تزال في بدايتها، وأن خارطة الوظائف ستتغير تدريجيًا، بحيث تختفي وظائف، وتظهر وظائف جديدة تتناسب مع التطور الهائل والسريع، قائلًا: "ستزيد الفاعلية والتنافسية على مستوى الفرد وفرق العمل لتحقيق نتائج أفضل لطالبي الخدمة أو المنتج".

ودعا العاملين والعاملات عن بعد لاستغلال الفرصة، والمسارعة في تعلم كيفية استخدام التطبيقات المختلفة للذكاء الاصطناعي، مشبهًا ما يحدث حاليًا بمرحلة ظهور منصات العمل الحر، "وقد تعلموا استخدامها بسرعة ومهارة، وحصلوا بالتالي على حصتهم من سوق العمل" يزيد.

ونصح الأسطل العاملين بشكل حر، ألا يضعوا عقبات في طريق تطورهم؛ "لأن العالم متغير، ووتيرة هذا التغير سريعة جدًا في ظل الثورتين الصناعيتين الرابعة والخامسة".