جنين.. "يا موتُ ابتعد"
تاريخ النشر : 2023-07-03 15:20

جنين:

في أزقة جنين الكل يركض. هذه تبحث عن طفلها بين زخات الرصاص، وذاك يرقب شقيقه مصابًا على الأرض يفصل بينهما موتٌ على هيئة "جنود" يجوبون شوارع المخيم بحثًا عن كل "صامد". تلك تحمل أطفالها المتشبثين بطرف ثوبها إلى مسرحٍ أو مدرسةٍ أو مستشفى أو مسجد، ولا تعي أن "الأمان" هنا اليوم، في سماء الله فقط.

طائراتٌ تقصِف. اقتحاماتٌ وهدمٌ للمنازل، ورصاصٌ كزخّات المطر، وقنابل غاز أطبَق سواد دخانها على قلوب المرابطين هناك. في جنين بدأ اليوم أحمرًا مدمى عندما انفلتت قوات الاحتلال الإسرائيلي "مسعورةً" على أهالي المدينة شمالي الضفة الغربية، ضمن فصلٍ جديدٍ من فصول القتل الطويلة. لا عدد نهائي للشهداء ولا الجرحى، كل ما يعرفه الناس أن هناك دوّامة عدوان لا حدّ لها، ولا أحد يعرف متى تنتهي. عدوانٌ حوّل قلب المدينة النابض بالحياة إلى ساحةٍ حمراء بدماء أبنائها الذين تُقتنص قلوبهم وأحلامهم من كل حدب وصوب.

بدأت الضربة الأولى بقصف منزلٍ فجر الثالث من تموز للعام 2023م، ثم توالت الغارات الجوية بالتزامن مع هجومٍ على الأرض بالآليات العسكرية، أسفر عن استشهاد تسعة فلسطينيين -حتى موعد نشر هذا التقرير- بينهم ثلاثة في غارة جوية، وإصابة العشرات.

الثابت بين هذه التفاصيل، قصص الموت المرعبة، التي تضرب كل المشاعر، وتهزّ القلوب. في كل شبرٍ في فلسطين المحتلة يرقب الناس الشاشات، في غزة، ورام الله، ونابلس، ومخيمات اللجوء بالخارج. يشاركون عجزهم على مواقع التواصل وقهرهم. "من يوقف كلّ هذا الموت؟" يتساءلون. شبّانٌ بعمر الورد صاروا في مواجهة قوات مدججة بكل أنواع الأسلحة المدمرة.

اغتالوا الحلم

فتيةٌ، أحلامهم غضة، يتصدون لأكثر من خمسة آلاف جندي إسرائيلي دُرِّبوا على خوض "الحرب"! شبانٌ يبدو أن الزمن توقّف عندهم. وربّما لم يعودوا يدركون أعمارهم الحقيقية أصلًا! سرق الاحتلال سنواتهم كلها برصاصه الذي أرداهم قتلى وجرحى على أعتاب أحلامٍ بسيطة، شاركوها أمهاتهم ذات يوم.

تبدو ابن سبعة عشر يا أوس، وأنت في الـ19 يا حسام، ولست أكبرهم يا مهند! كذلك نور، وسميح، وأشرف، وأحمد. قضوا وهم يحملون مهمّة رعاية مدينتهم ومخيمهم. حاولوا صنع شبكة من التكافل لمواجهة المحتل، وكافحوا كي لا تُهدَر في هذا العدوان أرواحٌ، فغادروا هم!

لدمع الأمهات صوت

ضجّت مواقع التواصل بصورة لثلاثة جرحى يتكؤون على بعضهم. دماؤهم أغرقت الأرض من تحتهم. بينما يتلصّص الجيران النظر إليهم، ويحاولون طلب الإسعاف الذي تمنعه قوات الاحتلال من الدخول. تبكي الأمهات دمًا من النوافذ، وقلوبهن مقبوضة من شدّة الخوف، إحداهن تصرخ عن بعد "يا موت ابتعد عنهم، يا الله كن معهم وهوّن جراحهم. يا ليت الزمن يتوقّف هنا يمّه، يا ليتني أستطيع النزول لأضمكم إلى صدري وروحي يمه".

قهر الرجال

"هل حضرت الشهيدة شيرين أبو عاقلة في أذهان الصحفيين بهذه الوقت؟"، لقد كانت عملية تفجير "كاميرا" التلفزيون العربي، وتدمير جهاز البث، ومحاصرة الصحفيين داخل منزلٍ تحت زخات الرصاص لأكثر من ساعتين، من أقسى مشاهد الرعب في جنين اليوم.

يصف الصحفي عميد شحادة الذي استطاع الخروج بمساعدة طواقم الهلال الأحمر الوضع بقوله: "الحال مرعب، شاهدتُ رجالًا يضربون رؤوسهم بالجدران من شدة القهر؛ لأنهم لا يملكون ما يدافعون به عن عائلاتهم وأطفالهم. رعب حقيقي داخل المخيم. الأطفال والنساء في وصلة بكاء لا تنقطع، ورصاص جيش الاحتلال في كل مكان. شعرتُ بغصةٍ وأنا أغادر مخيم جنين مرغمًا بعد تفجير كاميرتنا وجهاز البث بالرصاص. شعرتُ بغصة وأنا أغادر بسيارة إسعاف جاءت لإنقاذنا، والعائلات خلفنا محاصرة بالموت، حرفيا محاصرة بالموت".