طولكرم:
"إلى جنّات النعيم يا ولدي، عريس في الجنة يا حبيبي" بهذه الكلمات، صدَحَ صوتُ أم سامر وهي تحمل نعشَ ولدها الشهيد سامر الشافعي بين الجموع التي شيّعته وصديقه الشهيد حمزة خربوش بطولكرم أمس.
الشافعي وخريوش اللذان يبلغان من العمر (22 عامًا)، هما صديقان من مخيم نور شمس في المدينة الواقعة شمال غرب الضفة الغربية، ارتقيا معًا عقب اشتباكاتٍ لقرابة ساعة، خاضاها مع قواتٍ إسرائيليةٍ خاصة، تسلّلت بلباسٍ مدنيٍ برفقة عشرات الجنود إلى أزقة المخيم.
حالةٌ من الرعب والفزع قضّت مضاجع المواطنين الذين شهدوا إعدام الشابين، فكما يروي أحد شهود العيان: "أطلق الجنود النار عليهما، قفزا من الشباك صوب سقفٍ من الزينكو لبيتٍ مقابل البيت الذي تحصّنا فيه، سامر قتلوه مباشرة برصاصة في الرأس، أما حمزة فأصابوه برصاصة في رجله، وحين نزل الجندي إلى المكان كان الشاب يحرّك يده لكن الجندي قتله".

الجريمة التي صوّرها الاحتلال من خلال كاميرا فيديو يبدو أنها كانت مثبتة فوق بندقيةٍ آليةٍ يحملها الجندي، تُظهر بوضوح اتجاهها صوب أحد الشابين الذي هرول فوق الزينكو وعاجلَه الجندي بالرصاص فارتقى شهيدًا.
المعركة دارت في المخيم الذي أنشأته وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (اونروا) عام 1951م، بعد ثلاث سنوات من النكبة على مساحة لا تزيد على 0.23 كم2، ويسكنه نحو 10 آلاف نسمة. في بيوتٍ ضيقة تفتقر لمقومات الحياة الجيدة، وعلى سطح هذا الواقع البائس وفي ظل حياة اللجوء القاسية نشأ سامر وحمزة، وعاشا حياتهما صديقين، حتى ارتقيا شهيدين.
انسحاب قوات الاحتلال من المكان، كشَفَ آثار دماء الشهيدين، إضافة إلى تكسير وتهشيم ممتلكات المواطنين في المنازل المجاورة لمكان الاشتباك، الذي دار في منطقة مكتظة بالسكان لم يراعِ خلالها الاحتلال أيًا من مبادئ حقوق الإنسان.
وعقب الجريمة تجمّع مئات المواطنين في ساحة مستشفى الشهيد ثابت ثابت، حيث نقلت جثامين الشهداء، ورددوا الهتافات المنددة بجرائم الاحتلال والممجدة للمقاومة والمقاومين، خاصةً الشهيد أمير أبو خديجة الذي ارتقى أول أيام شهر رمضان في المخيم ذاته.

وتأتي الجريمة في طولكرم، بعد نحو 24 ساعة على اغتيال ثلاثة شبان في نابلس، وبعد ثلاثة أيام على اغتيال الاحتلال للشهيد الأسير خضر عدنان الذي كان مضربًا عن الطعام لنحو 87 يومًا، وإعدام شابة تدعى إيمان أبو عواد.
والدة الشهيد الشافعي التي حضّرت له ليلة استشهاده "صينية" من ورق الدوالي "ملفوف ورق العنب" كعشاء له ولرفاقه، كانت تعض على جراحها بقوة وهي تردد هتافات الفخر بولدها الشهيد، وصيحات التكبير والتهليل، والدعوة لمواصلة المقاومة حتى نيل الحرية.
قالت للصحفيين: "استيقظ ابني صباحًا ونزل ليوقظني لصلاة الفجر، كنت أتوضّأ فقال لي ارضِ عني يا إمي، فقلت له الله يرضى عليك، وبعدها حدثت الاشتباكات".
لم يترك سامر وصيةً محددة -حسب أمه- لكنه لطالما تمنى الشهادة، حتى أنها حين أرادت تزويجه أخبرها أنه يرى "الشهادة أقرب".
وتختم: "اقتربت ساعة النصر، فكلما زاد الاحتلال بجرائمه وجبروته، كلما زاد الصمود واقترب النصر".
أما والدة الشهيد حمزة خريوش، فقالت: "حضر قبل استشهاده بيوم واحد وسألني ليش يا إمي تعبانة، ما بحب أشوفك زعلانة لا إنتي ولا والدي، بتعب لما بشوفكم زعلانين"، ثم طلب منها أن تباشر البحث له عن عروس.
أنهت السيدة كلامها وعادت لتنضم إلى جموع المعزيات، اللواتي ردّدن معها هتافات الفخر بالشهيد بينما ينطلق موكب التشييع من مسجد المخيم صوب مقبرة الشهداء، يتخلله صوت نحيب شابٍ يصرخ "مع السلامة يا صاحبي، مع السلامة يا سامر".
ووسط حالة من الحزن والغضب والإضراب الشامل الذي عمّ المدينة بعدما أعلنت عنه القوى والفصائل الفلسطينية، أعلنت وسائل إعلام محلية، ارتفاع عدد الشهداء منذ بداية العام الجاري إلى 152 شهيدًا.
المحللة السياسية ريهام عودة تقرأ اعتداءات الاحتلال في الفترة الماضية، في سياق قرار إسرائيلي بتكثيف العمليات بالضفة الغربية في محاولة لإنهاء المقاومة وموجة الانتفاضة بأسرع وقت، "فالتركيز على الضفة تحديدًا مقابل الهدوء في غزة، ناتج عن أن الضفة هي من تقود المقاومة التي انطلقت بوضوح مع بروز عرين الأسود، وتطورت حتى انخرط فيها شبان بكل المدن، خاصةً نابلس وجنين" تقول.
وتتابع: "كل هذا يجعل الضفة مستهدفة أكثر كونها تضم عددًا كبيرًا من المستوطنات الإسرائيلية، التي أصبحت تحت مرمى المقاومين الفلسطينيين".
وتجزم عودة أن المقاومة الفلسطينية بالضفة والقطاع، تسير وفق مبدأ وحدة الساحات، فمن يقاوم بالضفة يُعدُّ مقاومًا في غزة، "وحين تم اغتيال الشيخ خضر عدنان كان هناك رد من القطاع، عبر غرفة العمليات المشتركة، لكن دون خطف الأنظار عن الضفة الغربية وما يجري فيها" تعقب.
وتشير عودة إلى أن تفاهمات العقبة التي أجريت قبل شهر رمضان بغرض تهدئة الأوضاع باءت بالفشل فعليًا، خاصة من قبل الاحتلال الذي لا يلتزم، شارحةً ذلك بالقول: "ما جرى كان مجاملة للجانب الأمريكي، لكن فعليًا الاحتلال لا يستجيب لضغوط الإدارة الأمريكية التي لم تسمح لإسرائيل بالتدخل في موضوع التفاهمات المتعلقة بالاتفاق النووي الإيراني، والاحتلال بدوره لا يريد للإدارة الأمريكية التدخل فيما يعدّه شأنًا إسرائيليًا، خاصة وأن الموضوع الأمني أولوية بالنسبة للاحتلال".
وتوقعت عودة تواصل التصعيد الإسرائيلي في الفترة المقبلة، مع تزايد جرائم الاحتلال بحق المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس.
