رام الله:
ما زالت الصحافية الفلسطينية رجاء جبر، تذكر جيدًا تلك اللحظة التي نجت فيها من الموت قبل عام، حين أطلق جنود الاحتلال الإسرائيلي الرصاص نحوها، فأصيبت برصاصة مطاطية في الوجه.
حدث هذا قبل نحو عام، حين كانت جبر (مراسلة قناة الكوفية الفضائية) تقوم بتغطية أحداث جبل صبيح في مدينة نابلس، المقابل لمستوطنة أفتار الإسرائيلية المقامة على أراضي المواطنين الفلسطينيين.
وبمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي يصادف 3 مايو من كل عام، نوى التقت جبر التي روت ما حدث معها:" كنت أغطي المسيرة الأسبوعية للمواطنين ملتزمة بكل سبل السلامة، ومنها التواجد في مكان بعيد عن المواجهات المباشرة وارتداء الذي يبرز بوضوح هويتي الصحفية".

تضيف:" شعرت أن شيئًا ضرب في ظهري ظننت أن متظاهرًا ارتطم بي، فطلب مني المصور تغيير مكاني، انتقلت إلى مكان آخر وهناك أصبت مباشرة برصاصة مطاطية في وجهي، وتعرضت للإغماء، وفي المستشفى أخبرني المصور أن الارتطام السابق كان رصاصة ضربت الدرع".
هذا الحادث لم يكن الأول بالنسبة لرجاء، التي سبق أن تعرضت لإصابة برصاصة مطاطية أيضًا أثناء تغطيتها مواجهات في قرية بيت دجن، لكن الرصاصة ارتطمت أولًا بحجرٍ ثم ارتدّت إليها، إضافة إلى حادث آخر حين كانت تغطي أحداث في قرية عين سامية القريبة من رام الله، حين تعرضت لشتائم بذيئة من جنود الاحتلال، وأخرى تعرضت لشتائم بحدِ ذاتها تحرش لفظي.
"عن أي حرية نتحدث ونحن نعاني كل هذه المعاناة"، بهذه الكلمات وصفت حال الصحافي الفلسطيني في اليوم العالمي لحرية الصحافة، حيث يفترض أن يولي العالم اهتمامًا خاصًا بمن يتعرضون للانتهاكات على خلفية عملهم الصحافي، إلا أن هذا لا يحدث معنا في فلسطين، فالاحتلال يعتمد استفزاز الصحافيين.
وتستذكر الصحافية جبر كما غيرها من الصحافيين والصحافيات الصحافيتان شيرين أبو عاقلة وغفران وراسنة اللتان استشهدتا برصاص قوات الاحتلال العام الماضي، ليرتفع عدد شهداء العمل الصحافي في فلسطين إلى نحو 50 منذ عام 2000.
تقرير مدى للانتهاكات ضد الصحافيين منذ بداية 2023

وسجلت نقابة الصحافيين العام الماضي 902 انتهاكًا بحق الصحافيين والصحافيات، أقساها استهداف أبو عاقلة ووراسنة، ووثقت 63 إصابة بينهم 6 صحافيات، ومواصلة اعتقال 17 صحافيًا بينهم ثلاث صحافيات أفرج عنهن لاحقًا، بينما بقيت الصحافية المقدسية لمى غوشة رهن الاعتقال المنزلي، أما هذا العام فسجّل مركز مدى للحريات الإعلامية تزايدًا في الانتهاكات الإسرائيلية.
عودة إلى جبر التي تكمل: "ما يجري لا يمر بسهولة على أعصابنا، خاصة أحداث الاستشهاد، أنا أم وأشعر بقلب كل أم تفقد ابنها شهيدًا، ذات مرة كنت أجري مقابلة على الهواء مع والد شهيد طفل من جنين، تماسكت حتى آخر المقابلة، عدت إلى الهواء للتعقيب على الحدث، لكن انهرت وأجهشت بالبكاء ولم أستطع المواصلة، إلا أن المذيع تدارك المواقف وتسلّم هو البث".
لكن المؤلم بالنسبة لرجاء، هو رجاء أبنائها عليها أكثر مع كل مرة تخرج فيها للتغطية بأن تحافظ على حياتها، وألا تخاطر، وهي مهما شرحت بأنها تلتزم إجراءات السلامة فإن قلق الأبناء ظاهر في عيونهم، تعقّب: "يشعرون بالقلق وهذا بحد ذاته يلقي عليّ مسؤولية إضافية".
سجى العلمي، صحافية أخرى تعرّضت أيضًا للانتهاكات الإسرائيلية في العديد من المواقف أثناء ممارسة عملها الصحافي، رغم التزامها التام والدائم بارتداء الزي الذي يبرز هويتها الصحفية.
مطلع العام الجاري، وثقت كاميرا صحافي، مشهدًا لأحد جنود الاحتلال وهو يصوّف بندقيته صوب الصحافية العلمي وهي تمارس عملها الصحافي في قرية رمون قضاء رام الله، ملتزمة بذات الزي الصحفي، وأطلق الرصاص صوبها مباشرة.
لحظة استهداف الاحتلال للصحفية سجى العلمي

تعقّب سجى على ما حدث: "كنت أقوم بالتغطية بشكل عادي، صرخ الجندي في وجهي مرارًا رغم وجودي في منطقة بعيدة عن المواجهات لم يمنحني فرصة لا للحديث ولا حتى للمغادرة، فهو أطلق رصاصته مباشرة".
وتجزم سجى أن ما يحدث مع الصحافيين والصحافيات متعمد من قبل الاحتلال الإسرائيلي الذي لا يريد للصحافة أن تعمل، ما حدث ليس استثناءً فهو سلوك مستمر من قبل الاحتلال، فهذا الاعتداء هو الأحدث من بين سلسلة الاعتداءات.
تضيف: "في ديسمبر من العام الماضي، كنت في تغطية لأحداث في منطقة دير بلوط، وهناك أطلق جنود الاحتلال الرصاص وقنابل الغاز صوب الصحافيين، كان الاستهداف مباشرًا لنا، حشرونا في مكان ضيق، حاولنا القفز من فوق جدرا يتجاوز المترين، بقينا محاصرين نحو ثلاث ساعات، اتصلنا بالارتباط الفلسطيني كي يساعدنا ولم يتمكن من فعل شيء، كسّر الاحتلال بعض معداتنا يومها، فبعض الصحافيين تركوها أثناء محاولتهم الهروب".
تدرك سجى تمامًا أن هذه الاعتداءات تؤثر على الرسالة الإعلامية التي يريد الاحتلال طمسها، فهذه التضييقات حتمًا ستؤدي إلى صعوبة ممارسة عملنا الصحافي.
"لا حريات صحافية تحت الاحتلال، ولا فكاك من براثنه، نحن هنا نعاني من أجل نقل الحقيقة، نعاني من أجل قول ما نريد"، هذا هو الوصف الذي ارتأته سجى لواقع حرية الإعلام تحت الاحتلال.
تكمل: "المنظمات الدولية التي يفترض أن تسمع لنا وتفهم ما نعانيه، لا تسمع منا، وحسب علمي لم يسمعوا لزملائي أيضًا، فأن يسمعوا يعني أن يتدخلوا لحماية الصحافيين والصحافيات، ولكن كما يرى الجميع، منتهكون حتى النخاع".
تجزم سجى أن الأحداث المتراكمة وقسوتها تؤثر نفسيًا على الصحافيين والصحافيات، خاصة وإن الكثير ممن تتم تغطية ما يجري معهم قد يكونون على معرفة وثيقة بالصحافية أو الصحافية، تعقّب :"تمامًا مثلما حدث مع الشيخ خضر عدنان الذي استشهد أمس، فهو أصلًا كنا نلتقيه في كل الفعاليات التي يشارك فيها ولطالما أجرينا معه حوارات، اليوم نتحدث عنه شهيدًا".
