"رحمات" البارّين "بهجة" في بيوت المتعفّفين
تاريخ النشر : 2023-04-20 12:05

قطاع غزة:

مرت عدة سنوات على آخر مرةٍ تذكر أم محمد (50 عامًا) أنها صنعت فيها كعك العيد، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها "لكن الله لا يحرمنا من بهجته وفرحته" تستدرك.

تخبرنا السيدة، وهي من سكان حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، أنه لا يمر عيدٌ إلا وتأتيها أطباق أو صناديق من الكعك والمعمول، يرسلها لها الجيران على هيئة "رحمة" عن أرواح آبائهم.

يطرق الأطفال باب منزلها بوجوهٍ بسّامة، يقدمون الطبق الذي يكون بالعادة ممتلئًا حتى آخره بالكعك، يمدّونه نحوها، ويطلبون منها الدعاء لجدتهم، أو جدهم الذي توفاه الله قبل سنين.

و"الرحمة" هي أحد أشهر العادات التي يلتزم بها الفلسطينيون، حين يستذكرون أحبابًا غيّبهم الموت بصنع أصنافٍ من الطعام أو الحلويات، ويقدمونها للناس في مواسم الأعياد وخلال شهر رمضان المبارك، وبعض المناسبات الدينية الأخرى مقابل دعوة خير لأرواحهم.

منازل المتعففين تعرف قيمة "الرحمة" تمامًا، إذ تقول "أماني": "الوضع الاقتصادي عندي صعب، لكنني لا أشكو ذلك لأحد. أعمل في مساعدة بعض المنازل ليومين أو ثلاثة شهريًا بقيمة 50 شيكلًا لليوم، وزوجي يعمل سباكًا باليومية؛ لتدبير مصاريف أبناءه الخمسة".

حسب وصفها، فإن هذه "الرحمات" تأتيها نجدة، تضيف: "أعي أنها مساعدة غير مباشرة للمحتاجين تنعش حواسهم، لكن أحلى ما في الأمر أن في توزيعها كلنا سواسية. ليس شرطًا أن يعرف الجميع أنني محتاجة كي أنال حصتي، بل على العكس لا أتحرج أبدًا من قبول كعك الجيران، أو صينية أرز باللحم تصلني من أحدهم، ولا أتردد بالسؤال عن أصحابه، أو مواعيد صنعه وتوزيعه".

ولإقامة الرحمات طقوس "مبهجة"، تجتمع فيها نساء العائلة بأكملها من البنات والكنائن والأحفاد، في ساحة واسعة بمنزلهم، يوزعون التكاليف على بعضهم لصنع الكعك في الأعياد سنويًا.

تقول ريم محمد، التي توزع عائلتها الرحمات بين الفينة والأخرى: "نستيقظ عند أذان الفجر للصلاة، ثم لبدء العمل، نستمر حتى نهاية اليوم، ونوزع المهام بين بعضهم البعض، ورغم هذا فإننا لا نشعر بالتعب. يربطنا الود أكثر، وفرحة الناس بالكعك هي وقود استمرارنا دون ملل"، مضيفةً: "يا ليت كل يوم نعمل رحمة وتفرح فيها الناس هكذا".

من جنوبي قطاع غزة وتحديدًا خان يونس، تختلف الأصناف لدى عائلة الأسطل التي تؤكد أنها عادة متوارثة عبر الأجيال.

في التفاصيل، تخبرنا إسلام: "وعيت على وجه الدنيا وأمي تقيم رحمة في كل رمضان، أساسها صنع المفتول باللحم لتوزيعه على الناس دون أي أجر، بل طلبًا لدعوة خير ليس أكثر"، وتبدأ الطقوس لديهم أيضاً منذ الفجر، حيث يتجمع نساء الحارة، خاصة الكبيرات في السن ممن يتقن صنعه والأصغر سنًا لطبخ "اليخني".

وللرجال هنا دور، مهمتهم تبدأ بذبح الخراف، وطبخ اللحم على نار الحطب في أوانٍ كبيرة. يساعدون بعضهم كي يكون الطعام جاهزًا بعد صلاة العصر، ثم يوزع قبل موعد أذان المغرب على الجيران والمصلين بالمسجد.

وتزيد: "بعض الناس تنتظره بالفعل، ونحن أيضًا خاصةً أن لطعم الرحمة هذه نكهة مميزة، تختلف عما نصنعه في الأيام العادية".

وفي قانون أم إسلام الذي ورّثته لأبنائها وبناتها قبل موتها، خصّت المفتول انطلاقًا من قولها "المفتول بياكل منه الإنسان والطير"، وبحال وزعت الرحمة على شكل لحم نيء، فإنهم يرفقون معه أكياسًا من المفتول الجاهز لطبخها في المنزل.