منقذات بحريات على شواطئ غزة
تاريخ النشر : 2023-04-10 10:14

غزة-نوى

قبل بضع سنوات كانت إنصاف العزايزة برفقة أسرتها في رحلة صيفية على شاطئ بحر مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، عندما وقعت حادثة غرق لنساء وأطفال. حينها تملكها حزن شديد، ولم تكن قادرة على تقديم المساعدة.

عن تلك الحادثة تصف إنصاف لـ "نوى" حالتها "بالمكبلة بالقيود"، وتقول: "كانت لدي رغبة كبيرة أن أسارع لنجدتهم، لكنني شعرت بعجز كبير، كوني لا أجيد السباحة والتعامل مع الغرقى، وما يحتاجونه من خدمات إسعاف أولية ضرورية، تسبق وصول سيارات الإسعاف لنقل الحالات الطارئة منهم إلى المستشفيات".

مرت سنوات على هذه الحادثة، التي لا تزال إنصاف تتذكر تفاصيلها المؤلمة، حتى عثرت على المفتاح الذي يفك قيودها، ويجعلها تمتلك أدوات وآليات التعامل مع المصطافين على شاطئ البحر، الذي تصفه بأنه "المتنفس الوحيد لأكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة الصغير والمحاصر".

التحقت إنصاف (27 عامًا) بدورة مكثفة في السلامة البحرية والإسعافات الأولية، تشرف عليها "الهيئة الفلسطينية للتنمية"، وبتمويل من الإغاثة الكاثوليكية، وعنها تقول: "استمرت الدورة لثلاثة أيام، وتلقينا خلالها تدريبات مكثفة من مختصين ومنقذين، تؤهلنا لفهم طبيعة البحر وتقلباته، وإرشاد المصطافين، والتعامل وقت الطوارئ مع الغرقى من النساء".

ويعدُّ البحر وجهة رئيسية للغالبية من بين نحو مليونين و300 ألف نسمة في قطاع غزة، يرتادونه فرادى وجماعات، وهو مناسب من حيث التكاليف المادية للأسر التي تعاني واقعًا اقتصاديًا مريرًا، في ظل تردي مستويات المعيشة بسبب طول سنوات الحصار والانقسام، وتفشي الفقر والبطالة.

وتقول إنصاف: "البحر هو الطشة الوحيدة لكثير من الناس في غزة، خاصة النساء والأطفال، ما يجعل من المهم وجود منقذات بحريات، لغرض الإرشاد والتوجيه، والمساعدة في مساعدة الغريقات بعد انتشالهن من البحر".

وتكتسب دورة السلامة البحرية والإسعافات الأولية للفتيات أهميتها -بحسب إنصاف- من تجنب المخاطر التي تعصف بحياة النساء، لرفض ذويهن أن يتعامل معهن منقذون رجال بالإجراءات الصحية الواجبة بعد انتشالهن من الغرق، ما يستوجب وجود منقذات بحريات يستكملن المهمة على الشاطئ بالتدخلات الصحية الميدانية، أو تلك الطارئة التي تستدعي نقلهن إلى المستشفيات لتلقي العلاج اللازم.

كانت إنصاف، وهي حاصلة على شهادة جامعية في الطب المخبري، واحدة من بين 80 فتاة تلقين التدريب عل مرحلتين، اجتزن تدريبات خاصة بالسلامة المائية البحرية والإسعافات الأولية، وأصبحن مؤهلات للعمل كمنقذات بحريات، وتقول: "أصبحنا اليوم على دراية كاملة بتقلبات البحر من حيث أنواع التيارات الهوائية، وتأثيرها على البحر، التي بموجبها يتم تحديد المناطق الخطرة من تلك المسموح بها للسباحة، إضافة إلى آليات التعامل مع الغريقات، والإسعافات الأولية الواجب تلقيها فور إنقاذهن من البحر إلى الشاطئ.

ومن شأن وجود منقذات على شاطئ البحر تحقيق التكاملية مع المنقذين الرجال، الذين يتكفلون بانتشال الغرقى والغريقات من البحر، وتنتهي مهمتهم بخصوص الضحايا من النساء عند الشاطئ، حيث تبدأ مهمة المنقذات، بحسب ياسمين عابد، إحدى الفتيات اللواتي تلقين التدريب.

وتقول لـ "نوى": "مجتمعنا له خصوصية، وتحكمه العادات والتقاليد، ووجودنا كمنقذات بحريات على شاطئ البحر، يحقق الكثير من الغايات المهمة، وأبرزها المساعدة في حفظ أرواح النساء".

ياسمين (27 عامًا) خريجة جامعية بتخصص إدارة وأتمتة المكاتب، ترى في وجود عنصر نسائي ضمن فرق الإنقاذ البحري "أمر بالغ الأهمية، خاصة وأن المرأة قد تدفع حياتها ثمنًا لتشدد ذويها في تعاطي منقذون رجال معها في وقت الغرق والطوارئ"، ووصفت التجربة بأنها "رائعة".

ويؤكد منقذون أشرفوا على التدريب على حديث ياسمين وزميلاتها، بأهمية الدور الذي ستقوم به المنقذات البحريات، لأول مرة، على شاطئ البحر في مدينة دير البلح وسط القطاع، وتقول غادة مصلح (24 عاماً) لـ "نوى": المنقذون أكدوا أهمية دورنا كمنقذات بحريات، خاصة في مهمة "الإرشاد والتوجيه"، وكذلك في التعامل الطارئ مع الغريقات.

وتنوي غادة، الحاصلة على شهاد جامعية في الإدارة الصحية، وزميلاتها ياسمين وإنصاف وأخريات، المنافسة على فرصة عمل، للالتحاق بأول فريق من المنقذات البحريات، سيعمل خلال الصيف المقبل على شاطئ بحر دير البلح، وتقول غادة التي تزوجت قبل ستة شهور إنها "لاقت تشجيعًا من زوجها لخوض تجربة التدريب، والتسجيل للعمل كمنقذة بحرية".

ووفقًا لمسؤولة العلاقات العامة في الهيئة الفلسطينية للتنمية نجاح أبو قاسم، فإن المنافسة متاحة أمام جميع الفتيات اللواتي يجدن في أنفسهن القدرة للعمل كمنقذات بحريات، ويمتلكن ما يثبت أنهن مؤهلات لهذا العمل؛ للمنافسة مع خريجات تدريب السلامة البحرية والإسعافات الأولية، من أجل الحصول على واحدة من بين 80 إلى 90 فرصة متوفرة خلال الصيف.

ويلزم المتنافسات اجتياز اختبارات نظرية وعملية، وسيتم فرز الناجحات للعمل كمنقذات بحريات على مرحلتين، بنظام الدوام اليومي الكامل لتغطية موسم الصيف، وفقًا لحديث أبو قاسم مع "نوى"، وتابعت: "العمل خلال هذا الصيف سيقتصر على شاطئ المنطقة الوسطى من قطاع غزة"، متمنية أن يتم تعميم التجربة لتغطي كامل شاطئ البحر في القطاع خلال المواسم المقبلة، والمساهمة في حفظ أرواح الغرقى، خاصة في أوساط النساء.

وبحسب أبو قاسم فإن العمل سيمتد من شهر مايو/أيار وحتى منتصف أكتوبر/تشرين الأول، وتتقاضى المنقذة مبلغ 56 شيكلًا عن اليوم الواحد، ويتركز عمل المنقذات بشكل أساسي على إرشاد وتوجيه العائلات، خاصة الأطفال والنساء، والتدخلات الطارئة لتقديم المساعدة الطبية للغريقات.