"تعال يما يا أحمد خوذ هالصحن لجارتنا أم العبد"، تنادي أم حسين أصغر أبنائها، وتناوله طبقًا من البازيلاء باللحم، انتهت من طهوه للتو.
يتأفف الشاب العشريني، فأمه على حد تعبيره "بدهاش تبطل هالعادة" بالإشارة إلى طبق طبيخ أمه الذي يلف الحارة كلها خلال شهر رمضان المبارك.
يقول لـ"نوى": "يا ليت الأمر يقتصر على إيصال طبق الطبيخ، فأم العبد ستناديني لأحمل صحنًا من ما طبخته لأمي، وهاتك جيبني".
الستينية أم حسين تصر على التمسك بعادتها التي ورثتها عن أمها وجدتها وكل أبناء جيلها، ومن سبقهم، لكنها باتت اليوم تواجه استهجان أبنائها وبناتها، الذين ما عادوا يرون لهذه العادة أي لزوم، "فالدنيا تغيرت". ورغم دخولها دومًا معهم في جدالٍ تصفه بالعقيم، إلا أنها تكمل الطريق على ما اعتادت، "فهذا شهر خير، يتوجب علينا فيه أن نبادر ونرسل لجيراننا ما تيسر مما طهونا اليوم" تقول.
وتضيف بحسرة: "لا أنكر أن الدنيا تغيرت بالفعل، فصحن أمي كان يلف على جميع الجيران، كل مرة لجارة، وكل مرةٍ بطبخة، وبالمثل كان جيراننا يفعلون، وهذا كان يجعل الجميع يأكل من الأصناف ذاتها في اليوم نفسه"، مردفةً: "حتى لو كان لدينا طبيخ زائد من الأمس، كانت تصلنا أطباق من الجيران طبخوها للتو، وهكذا الحال عندهم أيضًا. لم يكن هناك فرقٌ بيننا، لكن يا للأسف، اليوم، بالكاد يعرف الجار اسم جاره".
وتزيد: "للحق، كانت أيامنا أجمل، وصلة الأرحام وحق الجيرة كانت راسخة فينا، كنا جميعا نسير على ذات الخطى".
تحن أم حسين لتلك الأيام التي خلت، فعلى مائدة عائلتها في رمضان، كانت تتربع أصناف شتى من الطعام، صحن بامية من بيت أم محمد، وفاصولياء من عند ابنة العم أم يوسف، ومجدرة من الجارة فوزية، وأرز من عند الجارة أم ياسين، تعلق: "أشعر بأنني أشتم رائحة تلك الأطباق الآن. ياااه كم أتوق لأن تعود تلك الأيام".
لا ترى أم حسين أي مبرر لغياب هذه العادة الجميلة، التي تنم على الترابط والتآخي بين سكان الحي ذاته، في حين يجزم أبناءها أن "لا داعي لها، في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية التي يمر بها جميع أبناء القطاع المحاصر منذ 17 عامًا".
تقول العشرينية مريم النجار: "يبدو الأمر صعبًا بعض الشيء، فالأكلات التي اعتاد عليها أباؤنا لم تعد موجودة على سفرة رمضان. نحن لم نعد نطهو الطعام الذي كنتم تعرفونه، هناك ستيك، وهناك برغر، وهناك بانيه، وهناك بشاميل، وغيرها، وكلها مأكولات مكلفة حسب ظني، لا نستطيع التوزيع منها بالشكل الذي تفكر به جداتنا".
الطبق الدوار، الذي يفتقده الكثيرون من أجيال الستينيات والسبعينيات، ما زال يأخذ مكانه في ذاكرة الكاتب شفيق التلولي، الذي كتب يقول: "كنت أتولى مهمة توزيع أطباق الطبيخ الممتلئة على الجيران، وبالمثل كانت الجارات ترسل معي ما لذ وطاب مما طهون. كانت تلك العملية تتم في آخر ربع ساعة قبل أن نرقب المئذنة التي تنبئ إضاءتها عن آذان المغرب".
يشتاق التلولي لتلك الأيام، حيث لم تخلُ في مخيم جباليا من مشاركة قريبٍ أو جارٍ طعامه مع عائلات الجيران والأقارب، "وعندما يحين الإفطار تكون سفرة طعامنا قد تنوعت بأطعمة مختلفة، لكل طبخة طعم ومذاق يختلف عن الآخر".
صحن الطبيخ الذي كان يلف الحارة، ويوزع على الجار والقريب، لم يعد موجودًا اليوم في ظل التطور التكنولوجي، إذ أصبح الأصدقاء والجيران يتشاركون أطباقهم عبر "السوشال ميديا"، بدلًا عن مشاركتها على أرض الواقع، وشتان بين هذا وذاك، فهل من أمل بعودة الصحن الضائع؟!
