قطاع غزة:
كانت تقفز بناظريها بين البُسُط المعروضة قرب الباب. سألت الرجل بوجلٍ عن نقشة "الشجرة"، فأخبرَها بأنه غير موجود، لكن من الممكن أن يوفره لها لو أحبّت. وضعت السيدة يدها على خدّها وابتسمت ثم أخبرته: "يا ريت"، ومالت على سيدةٍ كانت ترافقها: "بتعرفي هالنقشة قديش بحبها، كانت عنا في الكويت لما كنت صغيرة، وبتذكرني بطفولتي وبغرفة أمي الله يرحمها". عادت تؤكّد على البائع: "الله يباركلك حاول تجيبلي وحدة"، ثم مضت وكأنما تحمل فرحة طفلٍ وجد لعبته الضائعة.
من "بساطٍ تقليديٍ" بدأت القصة: حسنًا، في منطقةٍ تسمّى بميدان فلسطين "الساحة" وسط مدينة غزة، تصطف على طول الرصيف محلات لبيع المنتجات التراثية كـ "النول"، و"البُسُط"، و"المخدات" و"الألبسة المطرزة"، و"المناديل"، وغيرها. محلاتٌ اهترأت أبوابها بعد عمرٍ طويلٍ قاتل خلاله أصحابها كل الظروف كي تبقى حية.
يقول أكرم اليازجي صانع النول والبسط هناك: "ما زلت متمسكًا بمهنة جدي هذه رغم التطور الصناعي والتجاري. لا أتخيل هذا المحل مقفلًا أبدًا"، لكنه لا ينكر أن ما عليه وضع صناعة النول اليوم، ليست كمثل ما كانت عليه قبل 60 عامًا "رغم أن الطلب على الأنتيكا، والفرش العربي القديم عاد من جديد منذ نحو 5 سنوات".

يرى اليازجي بأن الناس صاروا يبحثون عن البساطة، وعن أصل الأشياء، بل إنهم صاروا يحترمون العودة لذكريات بيوت الجدات الدافئة بالحب واللمة، لا بكثرة الفرش وارتفاع ثمنه. "هناك شريط ذكريات يعود للعمل كلما رأى الإنسان ما يذكره ببيت جدّه، تلفاز قديم، أو مذياعٌ خشبي، وحتى ساعة حائط البندول، والبسط التقليدية الملونة أيضًا" يعقب.
في مهنته يمارس اليازجي شغفه، ويعي تمامًا أنه يعمل لحفظ "كنزٍ تراثيٍ عظيم"! لقد تعلم المهنة من والده بينما كان طفلًا صغيرًا، وعمل فيها منذ ذلك الوقت "حبًا"، حتى صارت مصدر دخله وقوت عياله.
ويعتمد إنتاج البسط بشكل أساسي على حركة اليدين والقدمين معًا عبر الدولاب والماكينة اليدوية التي تحتاج لمجهود فردي. عمليةٌ لا تمرّ بسهولة، وربما هذا ما يُفسّر ارتفاع ثمنها الذي يتراوح بين 50 و500 شيكل، "أسعار المواد الأساسية التي تستخدم في صناعتها مرتفعة، والجهد المبذول لأجلها عال، فيستغرق صنع بعضها مدة أسبوع، وأخرى تحتاج من الوقت أشهر، وهي بالطبع أعلى سعرًا مقارنةً بالمشغول عبر الماكينات" يزيد.
يتابع اليازجي: "الخيوط الطبيعية تدخل في صناعة البُسط إلى جانب نسبة بسيطة من "الأكريلك"، وصوف الغنم الصافي، الذي يتم تجمعيه وغزله استعدادًا لصباغته، وتثبيت الألوان عليه قبل استخدامه، لمميزاته بعدم الاشتعال وإن هبت فيه النار، بخلاف الخامات الأخرى ذات الجودة الأقل.
وتُصدّر غزة منتجاتها من البُسُط، لكن أكثر ما يلفت صاحبنا هنا هو الأجانب الزائرين الذين يرغبون باقتناء أعمال تراثية فلسطينية، "فيقررون شراء البسط الصغيرة كقطع فنية، خفيفة الوزن، ولا تضر بمرضى الربو وأصحاب المشاكل التنفسية" يخبرنا، هامسًا بابتسامة: "ناهيكم عن أنها لا تحتفظ بالغبار والأتربة، وفي ذلك راحة لسيدات البيوت أيضًا".

