الرجل الذي اخترع قرية "الهادية" التي تشبه532 قرية فلسطينية دمرها الاحتلال الإسرائيلي، وكتب مأساة الفلسطيني في ملهاة من سبعة روايات صاغت أحلامنا وانكسارات أرواحنا في كلمات، وأرخ فلسطين المسروقة جغرافيا، كان في رام الله امس الأول، يشحذ بالحديث عن رواياته وقصائده روح جيل نبتت الكلمات في قلبه مثل أبجدية.
الروائي ابراهيم نصر الله كان يتحدث مع جمهوره في متحف محمود درويش، وكأنه يستكمل حديثا بدأه معهم قبل ساعات، لا شعور بالغربة أو الحواجز بينه وبين العشرات من قرائه من مختلف الأعمار والذين حضروا من كل أنحاء فلسطين، ليسمعوه ويناقشوه في تفاصيل رواياته مثل" زمن الخيول البيضاء" أو" قناديل ملك الجليل" وكأنهم يتحدثون عن شأن فلسطيني يومي.
نصر الله المولود في مخيم الوحدات للاجئين في الأردن، تحدث عن تجربته الروائية والشعرية وعن فلسطينه التي ينحتها يوميا في الرواية والشعر بحوار ثلاثي مع الكاتب الكبير محمود شقير والشاعر إيهاب بسيسو
أجاب الكاتب على أعقد وابسط الأسئلة كيف تولد الرواية/ أو القصيدة قال ببساطة:" لا توجد إجابة محددة على هذا السؤال، هناك قصيدة تعيش بداخلك كثيرا، وأخرى تشعر بها وتكتبها مباشرة، وأخرى تخطط لها كثيراً وهكذا الرواية".
يضرب نصر الله مثلا بروايته الذائعة الصيت" زمن الخيول البيضاء" التي بدأ بالتحضير لها عام 1985، كان يخطط أن تتناول الرواية التاريخ الفلسطيني من 1917 الى 1948، لكن الرياح جرت عكس رغبته، وكانت هذه الرياح المعاكسة أجمل ما حدث، حيث كتب خمس روايات ضمن مشروعه "الملهاة الفلسطينية" لتحتل الرواية المتوقع أن تكون الأولى رقم ستة في سلسلة الملهاة.
بدأ نصر الله الكتابة عن عذابات الآخرين، ولسان حاله يقول "أحيانا نحتاج أن نكتب عن عذاب الآخرين حتى نفهم عذاباتنا أكثر"، فكانت رواية "براري الحمى عام 1985 التي تعكس فترة عمله الصعبة كمعلم في إحدى القرى النائية في صحراء السعودية حيث لا ماء ولا كهرباء ولا إذاعات مع وفرة بالحيوانات المفترسة.
يقول نصر الله:"لم أكن أعرف من أين أبدأ، الجملة الأولى أصعب جملة والفقرة الأولى أصعب فقرة، الكاتب جبان أمام الورقة البيضاء، كنت أهرب وأؤجل كثيرا، لكن عندما اجلس كانت تتيسر الأمور".
ويتابع:" صدف أنني كنت أسير في منطقة جبل عمان حين رنت الجملة الأولى " عندما قالوا لي أنك مت وأن عليك أن تدفع مئة ريال مساهمة منك في نفقات دفنك، أدرك أن هناك مؤامرة تحاك ضدي" هذا المدخل الغرائبي هو الذي حدد مسار الرواية".
عندما صدرت "براري الحمى" بدا حينها وكأن نصر الله انتقل من الشعر إلى الرواية، لكنه يؤكد أنه " بدأ كلاهما معا في آن واحد".
ويقول:"هناك روايات من المستحيل أن أكتبها لو لم أكن شاعرا مثل "طيور الحذر" و"براري الحمى"، وهناك دواوين شعر لم أكن لأكتبها لو لم أكن روائيا مثل مرايا الملائكة".
بهدوء يتحدث الكاتب عن روايتين كتبهما على دفاتر مدارس وكالة الغوث حين كان في المرحلة الثانوية، وكأنه يتحدث عن تفاصيل عادية.
بدأ نصر الله الملهاة الفلسطينية برواية "طيور الحذر" التي تعتبر محاكاة لسيرته الذاتية وطفولته في المخيم مع استعارة واستعانة واضحة بذاكرة الوالدين.
ويبقى سؤال كيف تخطط لكتابة رواية يرد بين كل الأسئلة، ويجيب صاحب "أعراس آمنة":" مثلا رواية"شرفة الفردوس" لم تنشر بعد لكنها في طريقها لأن تكون فيلما، في تلك الرواية قررت الكتابة عن مدينة سافرت إليها في كولومبيا، وحين بدأت الكتابة دخلت فكرة قديمة وأصبحت هي الرواية".
"أقول نخطط كثيرا لكل عمل، أحيانا بنسبة 150% لكن حين تبدأ الرواية ربما نستخدم 10% مما خططنا له، لأن الشخصيات والأحداث تتخلق بشكل لا تستطيع السيطرة عليه من الخارج".
ربما عدم السيطرة على الأحداث هو ما أدى إلى إصابته بانهيار عصبي وهو يكتب أحد فصول رواية"عو" التي تتحدث عن انتقال المثقف إلى صف السلطة.
لدى مؤلف" زيتون الشوارع" ملف كبير يُدعى"أفكار روائية" ينصحه أصدقائه بنشره ذات يوم، لكن للكاتب وجهة نظر أخرى :" دائما ما أكتب خارج هذا الملف، عمليا أي فكرة كتبتها كملاحظة ولا تستطيع أن تخرج من الورق لتسيطر علي أعتقد أنها فكرة مشكوك بصلاحيتها كعمل روائي".
وحول إن كان ينوي الغوص في التاريخ الفلسطيني إلى أبعد من ظاهر العمر في قناديل ملك الجليل والتي تعود للقرن الثامن عشر، يجيب نصر الله:" يمكن، فمن الجميل أن تفاجئك فكرة جديدة ما يعني أنك ما زلت قادر على الاكتشاف".
الإكتشاف والتجريب متعة نصر الله وهاجسه الدائم، يقول:" ليس المهم أن تكتب عن فلسطين هذه أفقر أنواع الكتابات، أغنى أنواع الكتابات أن تجتهد لتقدم فلسطين في عمل أدبي بصوة راقية ومبتكرة، لكل رواية أسلوب يليق بروحها".
رغم هدوئه الجميل، إلا أنه حازم وحاسم فيما يتعلق:" بحق القارئ العربي بأن يقرأ كتابا جيدا، والعالمي أن يشتري كتابا لمؤلف فلسطيني لأنه جيد وليس لأنه متعاطف مع فلسطين".
بمرارة يتحدث كمن يفشي سرا معلن:" لا أحد يريد فلسطين في الفضائيات العربية".
هذه الخلاصة جاءت بعد شراء إحدى شركات الإنتاج ل"زمن الخيول البيضاء" لتعرض كمسلسل بناء على طلب المخرج المعروف حاتم علي، بعد أن كتبها نصر الله سيناريو، كانت الأزمة المالية فالتغى المشروع، لكن الصعب والموجع أن احد الفضائيات عبرت عن إعجابها بالرواية لكنها اشترطت تغيير المكان لتنتجها كمسلسل!!، أما فضائية أخرى فلم تقل سفاهة عندما عرضت على الكاتب إنتاج القسم الأول من الرواية كمسلسل بدوي!!!.
نصر الله الذي يعلن فقدان الأمل من المؤسسة الرسمية الفلسطينية والعربية في دعم الأدب، بحجة الميزانيات التي تترهل حين يريدها القادة ووتتضائل على عتبة الأدب، ومع ذلك يعلن عن حاجة الفلسطيني إلى مزيد من الروايات فلدينا مخزون من الشعر يكفي 500 عام، اليوم نريد روايات أكثر".
مثل شخصياته التي تتركنا نرشح مرارة وصمود يختم بتميمة من كلمات قائلا:" يجب أن نكتب عن قرانا المهجرة بطريقة صحيحة بحيث لا يتمكنوا من هدمها مرة ثانية، وعن أسير لن يتمكنوا من أسره، وعن شهيد لن يستطيعوا قتله مرة ثانية ".
صاحب "زمن الخيول البيضاء" في رام الله
تاريخ النشر : 2013-07-14 05:15
