ساق البامبو
تاريخ النشر : 2013-07-13 16:45

شعرت بالاطمئنان على جدية الأديب الكويتي الشاب سعود السنعوسي قبل ن أقرأ له شيئا، حين عرفت أين يضع ثقته في الكويت، ارتباطا بثقافة جادة، تعثرت طويلا بعد الأحداث الجسيمة التي مرّت بها بلاده، وأثرت كثيراً على صدقية الكتابة فيها، وربما احتاجت هذين العقدين من الزمان حتى تستعيد قدرتها على إنتاج أدب يستطيع أن ينافس، من خلال جيل لم تهزّه تلك الأحداث بشكل مباشر.
وحين قرأت روايته "ساق البامبو"، لم أتردّد في القول لنفسي: إنها الرواية الوحيدة التي أشعر بأنها فازت بجائزة البوكر العربية عن جدارة تامة، ودون أي تحفظات حولها، مع أنها تدخل ضمن الخيار الذي توجّهت إليه هذه الجائزة حتى الآن، وهو اعتماد ما أحبّ أن أسميه "النبش في الغرابة".
الغرابة موجودة في هذه الرواية بقدر ما هي موجودة في "عزازيل" أو "واحة الغروب" أو حتى "دروز بلغراد"، لكنها هنا غرابة تقول شيئا خارج نطاق الحكاية المثيرة، لأنها تحمل فكرة إنسانية مركزية حول موضوع "تقبل المختلف"، تتفرّع منها ـ على شكل إشعاعات تنمّ عن وعي كبير ـ مجموعة من الأفكار التي تعلي من شأن الإنسان، أيّاً كان شكله أو كانت ثقافته، وكلّ فكرة من هذه الأفكار، على أهميتها، تدعم الفكرة الرئيسية بكلّ قوة.
تتابع الرواية حكاية طفل ولد من زواج شرعيّ لأب كويتي يمارس نوعا من التمرّد، وأمّ فلبينية، عملت خادمة في منزل الأسرة التي تتمسك بتقاليد تحكمها أكثر مما تحكمها العدالة. ولذلك فإن الأم، المتحكمة بالأسرة (وهي منتمية إلى عائلة ثرية تعتزّ بنسبها) بعد رحيل زوجها، ترفض الاعتراف بما حدث، وتجبر ابنها، (الذكر الوحيد في الأسرة بين ثلاث أخوات تخشى على أن يؤثر زواجه على حظوظهنّ في زواج مناسب)، على ترحيل الفلبينية وابنها، ثم تزوّجه بعد ذلك من امرأة أخرى تنجب له ابنة وحيدة، قبل أن يؤسر في حرب الخليج الأولى، ويعود مجرّد رفاة، بعد سنوات طويلة من تلك الحرب.
إن الطفل الذي يحمل اسم جده لأبيه، يتربى وسط أسرة فقيرة في الفلبين، ويغرف من ثقافة تلك البلاد، ومن لغتها، دون أن تسمح له والدته بأن ينسى أنه من الكويت، التي تساوي الجنة بمعاييرها، وأنه إليها سوف يعود ذات يوم، لينعم بخيراتها، كما كان وعد والده.
والرواية، وهي تغوص في ثقافة الفلبين، تثير الإعجاب بحجم ما يعرفه الكاتب عنها، ولكنها لا تكتفي بالاستعراض المجانيّ، وإنما تجعل ذلك جزءاً من أحداثها التي لا تتوقف لحظة واحدة، ولا تقع في التكرار، ولا تثير مللا، لأن كلّ حدث منها يحمل جديدا ومترابطا ويتقدّم بالخط الروائيّ إلى الأمام، وكثيرا ما يكون هذا الجديد مفاجئاً أو صادماً أو مدهشاً، يأتي على شكل اكتشاف، لكن التمهيد له ذكيٌّ ومقنع، وقادر على التبرير، ما يوحي بقدرة الكاتب على السرد، إضافة إلى قدرته على التعامل مع أفكار عالية المستوى، يتوفّر لها تأمل عميق، يناسبها إلى حدّ كبير.
تقوم الفكرة الأساسية على موضوع يحفر عميقا في الثقافة الاجتماعية في الكويت، التي تلخص مقولة الرواية في أن هذه البلاد "لا تمنح الحبّ لمن يريد أن يحبّها"، أو يحاول الانتماء إليها، حتى وإن كان يحمل جنسيتها. وهي في هذا الشأن تتطرّق إلى قضايا عديدة مطروحة في الساحة الكويتية منذ زمن بعيد، مثل قضايا العائلات الأصيلة و"البيسرية"، وقضايا "البدون" التي تحرم بعض الناس من حقّهم حتى في الحب، وفوق ذلك قضايا الأعراف السائدة التي تخنق الحرّية، حتى بالنسبة لمن لا يحترمون وجود هذه الأعراف، لأن الخروج عنها ينقلب سلبا شديد القسوة على حياتهم وعلاقاتهم، وحياة من هم حولهم أيضا، ما يجعلهم يستمرون في ممارسة ازدواجية بين الفكر والممارسة، تثير الغضب، وقلّ أن يتجاوزها احد.
إن العائلة التي ينتسب إليها هذا "الكويتيّ الفلبيني المسيحيّ المسلم البوذيّ"، الذي تتعدّد أسماؤه حسب الثقافات، تعيش تناقضا بين قبوله ورفضه، رغم التمزّق الذي يعاني منه بعض أفرادها، بين حقّ طبيعيّ له، ورعب اجتماعيّ من وجوده، وخصوصا ما تشعر به أخته التي تعيش في بيت الأسرة بعد أن تزوّجت والدتها ثانية، وعمته التقدّمية في أفكارها، التي تعيش مأساة عاطفية، لأن أمّها رفضت أن تزوّجها من الصديق الوحيد لأخيها الراحل، الذي ينتسب إلى فئة "البدون".
لقد عاش هوزيه الفلبينيّ حياة قاسية في تلك البلاد، بسبب فقر عائلته، وحين حقق له صديق والده عودة إلى الكويت، تنفيذاً لوعد قطعه على نفسه، بات عيسى الكويتيّ يعيش حياة أقسى، بسبب غنى عائلته، لكنه كان في بلاد أمه ظلّ يملك كرامته ويحلم، أما في بلاد أبيه، فقد شعر بأنهم يحرمونه منها، كما يحرمونه من الحلم أيضا، فأدرك أن ساق البامبو (الذي يحيط بمنزل جده الفلبينيّ، ويشبه نفسه به) ليس قادرا على أن يمدّ جذورا في كلّ أرض، كما كان يظنّ، فقرّر أن يقبر الحلم، وأن يستعيد هذه الكرامة، بالعودة إلى الأرض التي تتقبله.
وما أشير إليه من أحداث، ليس سوى تلخيص مخلّ بما تقدّمه الرواية التي لا تتوقف عن السرد. كما أن الأسلوب الذي كتبت به يثير الانتباه إلى قدرة مؤلفها على الابتكار: إن الرواية تقدّم وكأنها كتبت من قبل هوزيه باللغة الفلبينية، وقام بترجمتها فلبيني مسلم يتقن العربية، هو شخصية في الرواية حاولت أن تجذبه إلى الإسلام السياسيّ، كما ثبّت على غلاف داخليّ اسم من راجعت الترجمة، لمزيد من الإيهام الفني، وهو أسلوب يساهم في التشويق الذي لا تفتقر الرواية إليه، لحجم ما فيها من أحداث، ومن ثقافة واسعة، حول مجتمعين متناقضين، إضافة إلى الثقافة العامة، والأفكار التي تستحقّ الاحترام، لعمق ما تطرح، ولطريقة طرحها على حدّ سواء.
لقد كتب لي سعود السنعوسي، الذي كان طفلا صغيرا حين غادرت الكويت، إهداء على النسخة التي أرسلها لي بالبريد السريع، ختمه بالقول: "لك في الكويت قلوبٌ محبّة"، وأنا لا أتردّد أن أختم بالقول إن الرواية، بكلّ الصدق الذي يفيض منها، أعادت إلى نفسي كثيرا من الحبّ الذي عرفته في الكويت.