خانيونس:
تتوشح المزارعة المسنّة أمونة أبو رجيلة "أم نسيم" بالكوفية الفلسطينية والثوب المطرز، وهي تمارس عملها في قطف حبات الزيتون مع أبنائها وأحفادها، وبمشاركة أهالي بلدتها خزاعة، شرق محافظة خان يونس جنوب قطاع غزة، كعادات موسمية يمارسها أهل المنطقة، مع بدء موسم قطف الزيتون كل عام.
مع هطول أول زخات المطر في شهر تشرين الثاني/ أكتوبر، يتجه المزارعون والمزارعات مع عائلاتهم صغارًا وكبارًا صبيحة كل يوم، صوب حقول الزيتون، في أجواء احتفالية تحمل تفاؤلًا بموسم وفير.

وعلى أنغام الأغاني التراثية، والدبكة الشعبية، والأهازيح، تتشارك العائلات التعب والفرح، فيقضون ساعات يومهم في الأرض، يحضرون الأكلات التراثية التقليدية على الحطب، ويجمعون حبات الزيتون بأيديهم.
ع اليادي اليادي اليادي
بَدّي غنّي لبلادي
قعدة تحت الزيتونة
تسوى المحيط الهادي
على وقع صوت سقوط حبّات الزيتون فوق المفرش الأخضر الكبير الموضوع أسفل الشجرة، تنشد المزارعة أم نسيم هذه الكلمات، بينما يردد خلفها أحفادها وهم يجمعون حبّات الزيتون بأيديهم مثلما يحرصون في كل عام، كون جمعه بهذه الطريقة تحافظ أكثر على حبة الزيتون التي يلقيها عادة شبان يعتلون السلم أعلى الشجرة.
أثناء تحضير وجبة الإفطار مع الفتيات اللواتي يرددن الأهازيج، تقول أم نسيم: "نتشارك نحن والجيران الخير والسعادة بهذا الموسم، ومع قدومه تحل علينا البركة، فهو يأتي بعد عام من الرعاية لأشجار الزيتون الصغيرة؛ لتهبنا طيباتها وهي كبيرة".
وتضيف أمونة: "إنني أسعد بمشاركة الشباب معي في هذا الموسم"، مشيرةً إلى أنها تستمد منهم القوة والعزيمة والطاقة، وأنهم عمود الوطن ويجب أن يستغلوا طاقتهم في مثل هذه المواسم التراثية.

موسم قطف الزيتون -كما تؤكد- يمثل أهمية كبيرة للأسرة الفلسطينية، فهو حكاية تحدي بوجه الاحتلال الإسرائيلي، وكنزٌ للبيت الفلسطيني سواء بتخزينه، أو بعد عصره، أو حتى بيعه وكسب لقمة العيش من خلاله.
وتصف أم نسيم حبها للأرض بنبرةٍ تجمع بين الحب والقوة: "قلبي ينبض بحب الأرض والزارعة، أنا أول ما بصحى من نومي بسقي الزرعات، وبطعمي الدجاج والحمام، وبعدين بقعد أعمل شاي على الحطب، وبشرب مع الموجود من الشباب، أنا والله أرضي مفتوحة للكل".
زيتوني لا تنسوها
وبالمجد زينوها
أجدادي زرعوها
زرعوها أجدادي
الشابة بدور قديح كانت تردد هذه الكلمات، وهي تعبر عن سعادتها بالمشاركة في موسم قطف الزيتون، مؤكدة أنه من أجمل مواسم السنة التي تعزز حب الأرض والتراث، الذي تحرص على ممارسته خاصة أثناء قطف الزيتون.
ترتدي الشابة العشرينية ثوبًا تراثيًا مطرزًا، وتلفّ رأسها بكوفية وهي تتشارك مع أقرانها من الصبايا، ذات الأغاني والأهازيج الشعبية.
تقول الشابة قديح: "هذا الموسم بالنسبة لنا حياة، ونسعد بمساعدة الكبار، ومشاركتهم الأهازيج الفلسطينية، والأجواء التراثية"، وتحكي أن الشابات يتوارثن هذه العادات عن آبائهن وأمهاتهن، ويحرصن على توريثها لأبنائهن.
وتضيف: "أجواء الفرح هنا مبهجة، وسعادتنا غامرة، ليس فقط لكونه موسم ربح مالي، بل هو أيضًا أجواء احتفالية تنتظرها العائلات التي تزرع الزيتون سنويًا، ويحرص الصبايا والشبان الذين يدرسون في الجامعات على الانتهاء من دراستهم مبكرًا كي يشاركوا العائلة هذه الأجواء".

وللصغار أيضًا ألعابهم وأغانيهم وأدوارهم في هذا الموسم، فقد اعتادوا على ذلك منذ نعومة أظافرهم، يذهبون مع عائلاتهم، ويساعدونها في جمع حبات الزيتون.
الطفل محمود أبو رجيلة حفيد أم نسيم، كان يساعد جدّته في جمع الحبات التي تسقط بعيدًا لإرجاعها إلى المفرش الكبير الذي يجمعون عليه حبّات الزيتون، من أجل أن تقوم الجدّة والصبايا بفرزها ما بين الزيتون الأخضر والأسمر.
ببراءة وعفوية يقول محمود الذي تعلق قلبه بحب الأرض قبل أن يبلغ العاشرة من عمره: "هذه الأرض لنا، وأنا أحب أن أشارك عائلتي بهذا الموسم، وأكون سعيد جدًا عندما أرى الجيران تشارك جدتي هذا اليوم".
ولا تخلو مشاركة محمود من أوقات يلهو فيها من أقرانه من الصغار، يختبئون بين أشجار الزيتون الضخمة، ويلعبون "الاستغماية". يأكلون كلما شعروا بالجوع خبز الطابون مع بعض الزعتر والزيت الذي حملوه معهم من العام الماضي، ويعودون لمساعدة عائلاتهم كلما شبعوا من اللعب.
ويعدّ الزيتون محصول استراتيجي أساسي في فلسطين، وفي قطاع غزة خصوصًا، حيث تبلغ مساحة الأراضي المزروعة به 44 ألف دونم، تنتج 35 ألف طن من الزيتون، كما يؤكد محمد أبو عودة المتحدث الفني باسم وزارة الزراعة.
ويضيف في حديثه لـ"نوى": "إن ما يقارب 4 آلاف طن يتم تخزينها، و31 ألفًا يتم إرسالهم للمعاصر المنتشرة في قطاع غزة، للحصول على ما يقارب 5 آلاف طن من الزيت، وهي كمية ممتازة لم يصل لها القطاع سابقًا"، واصفًا هذا الموسم بالماسي، "فالإنتاج ثلاثة أضعاف الموسم السابق، إضافةً إلى كونه يساهم في إيجاد فرص عمل للكثيرين، سواءً بالقطاف، أو بالخدمات المساندة، كالنقل، والعصر، وغيره".
وشدد أبو عودة على وجود رقابة من وزارة الزراعة على المعاصر، "فهي قامت بتوظيف 80 مهندسًا زراعيًا بشكل مؤقت لمتابعة الموسم، كما حددت مواعيد القطاف بشكل دقيق"، مشيرًا إلى أن تواريخ القطف جاءت بعد حساب أيام نضج الثمار التي تحتاج إلى 180 يومًا، "فالتأخير جاء بسبب التغيرات المناخية".









