واقعٌ صحي "هش" وصمودٌ "أسطوري" للكادر الطبي
تاريخ النشر : 2022-08-14 14:33

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"لو نظرتُ لوجهي في المرآة حينها لما عرفتُني" بهذا الاختصار، وصف محمد عفانة، الطبيب في المستشفى الأندونيسي، حاله خلال أيام عدوان أغسطس الثلاثة. لم يخلع رداءه الأبيض، ولم يغمض له جفن. شاحبٌ إلا من محاولة طمأنة مرضاه بأنهم سيكونون بخير، ومتألمٌ حدّ الثمالة على دموع أطفالٍ ليس لهم ذنبٌ سوى أنهم ولدوا هنا.. في قلب غزة.

في غرفة العمليات التي كان يفترض أن تكون مجهزة بكامل طاقتها الاستيعابية، يعمل الكادر الطبي على قدم وساق. يبذلون قصارى الجهد لإنقاذ حياة المصابين خشية توقف اسطوانات الأكسجين في أي لحظة  أثناء العمليات بسبب توقف محطات توليد الكهرباء عن العمل، وعدم توفر كمّيات كافية من إمدادات السولار للقطاع بسبب إغلاق الاحتلال الإسرائيلي للمعابر.

يصف عفانة العمل الطبّي بالمهمة المستحيلة في ظل واقع صحّي متهالك، ويقول: "الطبيب أمام مسؤولية كبيرة هو إنقاذ حياة المصاب بغض النظر عن التدهور الذي تعيشه مرافق الصحة، ونقص الأدوية والعلاجات".

مع كل هذا -والحديث لعفانة- يُلقى على عاتق الطبيب مهمة ثقيلة جدًا "كيف أواسي أقارب الشهيد؟ أو ذاك الذي بُترت قدمه؟ كيف أخبر سيدةً أنها لن ترى زوجها بعد اليوم أبدًا؟".

ويشير الطبيب إلى أن حياة الكثير من المرضى كانت خلال العدوان معلقة بتوفر الكهرباء على مدار الساعة، "وهذا ما كان مستحيلًا لولا لطف الله، في ظل إغلاق المعابر ومنع إدخال الوقود اللازم لتشغيل المحطة من قبل جيش الاحتلال".

يزيد: "أحيانًا كنا نلجأ للبحث عن بدائل فورية للاستعاضة عن النقص الحاد ببعض العلاجات كضماد الجروح، ومشد اليد الطبي "البلاستر"، وخيوط غرز الجروح، وهذا كان عبءًا آخر يضاف إلى مهامنا شبه المستحيلة تحت حمم النار".

إحصائيات وزارة الصحة في قطاع غزة، تشيرُ إلى وجود عجزٍ شديدٍ في الأدوية الأساسية بنسبة 40%، وعجزٍ بنسبة 32% في المستهلكات الطبية، مع 60% من النقص في لوازم المختبرات وبنوك الدم، فضلًا عن منع الاحتلال توريد أجهزة طبية ضرورية للأقسام الحيوية في المستشفيات.

وأوضح الناطق باسم وزارة الصحة أشرف القدرة في تصريحاتٍ أدلى بها -خلال العدوان- أنه خلال إغلاق المعابر، احتجز الاحتلال الإسرائيلي قرابة 24 جهاز أشعة ومنع دخولها إلى القطاع، كما أدى الإغلاق إلى تفاقم مخزون قطاع الغيار اللازمة لصيانة الأجهزة المتعطلة، وبالتالي فإن أي جهازٍ طبّي يواجه عطلًا لن يتم إصلاحه بسبب عدم وجود قطاع الغيار اللازمة للصيانة.

خلال فترات العدوان على غزة، يناضل الفريق الطبي على كافة الجبهات داخل أروقة المشافي وخارجها. سائق الإسعاف أحمد سليمان من مدينة رفح جنوب قطاع غزة على سبيل المثال، كانت تصله المناشدات تباعًا طوال الفترة ما بعد منتصف الليل حتى أذان الفجر.

يقول لـ"نوى": "كثيرًا ما كانت تصلني إشارات استنجاد، ولما أهم بالخروج أكتشف نفاذ الوقود! المسافات بعيدة، ونحن عاجزون الآن. كلنا نضرب أخماسًا بأسداس ونضع أنفسنا مكان صاحب الإشارة: ماذا لو كان أبي أو أخي؟"، مستدركًا بانفعال: "لكن بكل الأحوال، الاستسلام كلمة ليست ضمن قاموسنا نحن رجال الإسعاف".

ويكمل: "نعمل في أكثر المهمات إنسانيةً على وجه الأرض وأكثرها تعقيدًا في غزة، ونمرُّ بمواقف صعبة  جدًا. نحن ندرك النقص الشديد في مرافق الصحة، لكن ندرك أيضًا أن علينا الاستمرار لآخر نفس، ومهما كان الثمن"، مردفًا: "نحن نتحدث عن إنقاذ أرواح".

ويزيد: "تواصلنا مرارًا مع الهلال الأحمر للتزود بالوقود لسيارات الإسعاف، وفي الحقيقة لولا إسعافات الهلال لتعرضنا لكارثة كبرى، فسولار مشافي القطاع كانت على وشك النفاذ".

تصريحات صحفية لمحمد أبو سلمية، مدير عام مجمع الشفاء الطبي، أكدت أن الواقع الصحي في غزة منهك منذ عدوان مايو/ آيار 2021م، "حيث لم يتدخل أي طرف دولي أو إقليمي بإعادة إعمار أي  من مرافق وزارة الصحة، التي دمرتها صواريخ الاحتلال الإسرائيلي، كالعيادة المتخصصة، ومخازن الأدوية والمقر الرئيسي للوزارة".

 ووفق أبو سلمية بلغت تكلفة خسائر وزارة الصحة خلال العدوان الأخير على القطاع، 14 مليون دولار، أضف إليها عجزًا منذ سنوات في عدد سيارات الإسعاف المخصصة لنقل المصابين والشهداء، جراء استهدافها المتكرر من قبل الجيش الإسرائيلي، وعدم تعويض هذا العجز من قبل أي طرف دولي أو إقليمي.

يضم قطاع غزة 32 مستشفى ومركزًا صحيًا، 13 منها يتبع لوزارة الصحة، وهي من تتولى مسؤولية توفير خدمة العلاج في أوقات الأزمات والعدوان.

أما عدد الأسرّة في مستشفيات القطاع فلا يتجاوز 3 آلاف سرير، تخدم مليونَي مواطن، ونسبة إشغالها في الوضع الطبيعي 95%، أما فيما يتعلق بغرف العمليات المركزية، فوصل عددها إلى 63 غرفة.

ويبلغ عدد الأطباء في القطاع ألفي طبيب، ونحو ثلاثة آلاف ممرض وفق إحصائيات الصحة، كلهم كانوا على رأس عملهم عندما تعرض القطاع لعدوانٍ إسرائيلي مطلع آب/أغسطس الجاري، خلّف 48 شهيدًا بينهم 16 طفلًا، و4 سيدات، و360 جريحًا بحسبِ بيانٍ أصدرته وزارة الصحة.