أمهات تحت الصدمة: "ابني مريض توحّد"
تاريخ النشر : 2022-06-26 09:38

غزة:

بدا الطفل أحمد "طبيعيًا" عندما وضعتهُ أمُّه عام 2014م، لكن الأمر اختلف تمامًا عندما اجتاز عتبة عامه الأول. بدأت أمه "ريهام" تلاحظ أن طفلها لا يتفاعل معها كما أطفالها الثلاثة الذين سبقوه. ليس معها وحسب، بل مع المحيط كله، وهنا أحسّت بوجود مشكلة.

كان أحمد طوال الوقت يركز النظر في نقطةٍ واحدةٍ فقط، لكنه لم يكن يستجيب لأي حركة! وهنا بدأت رحلة ريهام "المكوكية" بين عيادات ومستشفيات المدينة التي تقطن فيها "رفح"، ليكون التشخيص النهائي "طفلي مصاب باضطراب طيف التوحّد" تقول بحزن، مستدركةً: "لكن اكتشفنا هذا بعد جهد سنوات، وسلسلة من الفحوصات والتشخيصات".

واضطراب طيف التوحد عبارة عن حالة ترتبط بنمو الدماغ، وتؤثّر على كيفية تمييز الشخص للآخرين، والتعامل معهم على المستوى الاجتماعي، مما يتسبب في حدوث مشكلاتٍ في التفاعل والتواصل.

تقول ريهام: "في البداية ظننت أنه لا يسمع، وانطلقت إلى الأطباء الذين أكدوا أن لا مشكلة في السمع، بينما آخرون قالوا إن لديه مشكلة عقلية، فيما قال غيرهم إن المشكلة نفسية، وأنا بقيت هائمة على وجهي بين هذا وذاك لا أعرف علة ابني ولا مرضه".

جابت الشابة الثلاثينية عيادات الأطباء لسنوات، وطفلها يكبر أمامها ضعيفًا لا يستطيع التواصل مع أحد، بينما هي تعامله معاملةً خاصة لمشكلةٍ لا تعلمها ولكن تجتهد في محاولة حلها من أجل طفلها، "فقد كان دائم الصراخ، يضرب الأشياء بقوةٍ في الأرض، وهذا مؤذٍ لإخوته" تعقب.

وتكمل: "إخوته صغار، ولا يستطيعون تحمّل صراخه الدائم وعصبيته اللامحدودة. يضربُ كل شيء بالأرض، حركته سريعة جدًا ولا نستطيع السيطرة عليه، فهو يُتلف كل شيء تقع يده عليه، لا مؤسسات ترعاه ولا مستشفيات ولا حتى أخصائيين، طفلي مصاب بالتوحد ولا أدري حتى إن كان هذا الأمر ظاهرة أم أنه يصيب عددًا قليلًا".

لجأت الأم إلى الإنترنت لتعرف عن مرض ابنها أكثر، ولتكتشف طريقة التعامل السليمة معه، لكن من وجهة نظرها هذا لا يكفي، فهي بحاجة إلى مؤسسة ترعاه، وتساعدها في أقلمته مع الحياة من حوله فلا يتركونه وأقرانه من أصحاب المرض ذاته لمصيرهم.

تردف: "لقد بلغ ثمانية سنوات ولا يستطيع التأقلم مع أقرانه أو دخول المدرسة سوى مع الأصغر سنًا، فهذا ما يتناسب مع عمره العقلي".

ووفقًا لتقديرات غير رسمية، يبلغ عدد الأطفال مصابي التوحّد في قطاع غزة نحو 1500 مصابًا، يفتقدون إلى رعاية رسمية من قبل أي مؤسسة متخصصة، ناهيك عن التكاليف الباهظة لبعض المؤسسات الخاصة الموجودة، وهو الأمر الذي يضيف عبئًا ثقيلًا على العائلات والأمهات بشكل خاص.

تقول ريهام: "عندما يكون الطفل مريضًا فالمسؤولية هنا على الأم، أن تذهب به للأطباء، وتبحث عن تشخيصٍ وعلاج، ثم أن تبحث عن طريقةٍ للتعامل مع حالة شديدة الصعوبة مثل حالته"، مستدركةً: "أنا مثلًا لا أستطيع مغادرة البيت ولا زيارة الأقارب، ولا يمكنني الاطمئنان على سلامته إن تركته ولو قليلًا، ولا يمكن الاعتماد على إخوته، فهم لن يتمكنوا من التعامل مع حالته خاصة عندما يدخل في حالة عنف شديدة".

السيدة سحر (وتكنى بأم يزن) تعي تمامًا عن ماذا تتحدث ريهام، فهي أيضًا أم لطفل مصاب بالتوحد، وقد عانت تمامًا مثلها في تشخيص حالته، وما زالت تعاني من أجل مواصلة تعليمه، أو البحث عن طريقةٍ لتحسين حالته.

سحر أيضًا وضعت طفلًا طبيعيًا، لكنها بمرور الوقت أدركت أنه يعاني من مشكلة في التفاعل، ولا يشبه أخويه من قبله، ومع انتهاء عامه الثاني بدأت رحلتها في العيادات والمستشفيات ومراكز العلاج المختلفة.

تقول: "وضعته عام 2009م، وبعد مرور عام كان يصدر حركات نمطية، بينما اختفت عنه بدايات لغة كادت أن تتطور. هنا بدأتُ بزيارة الأطباء، لكن لم يكن أحد يعرف بعد بمفهوم اضطراب طيف التوحّد، وهذا وضعنا في مشكلة".

"اكتئاب" هكذا شخصه بعضهم رغم أن عمره لم يتجاوز العامين، بينما آخرون قالوا إنه يعاني من مرض نفسي، وبعضهم ذهب إلى أبعد من ذلك عندما شخصه بأنه يعاني من تخلف عقلي، تعلق السيدة بانفعال: "سلسلة من التشخيصات سمعتها لفترات طويلة، ولم يضع أحد يدي بشكل صحيح على مشكلة ابني. ابني كان يكبر والمشكلة تكبر معه، وأنا أعيش صدمتي وحزني وحدي".

عندما انسدت في وجهها الدروب، لجأت إلى الإنترنت وقرأت عن المرض، وبدأت بعدها تتفهم وضعه بشكل جيد. لم تتمكن لاحقًا من إدخاله رياض الأطفال ولا المدرسة، بينما أقرانه يمرون أمام عينيها ويحملون حقائبهم المدرسية فتأكل قلبها الحسرة على حاله، وحال الطب هنا.

تزيد: "ناهيكم عن أنه لا يدرك معنى الخطر، فهو دائم الصراخ والتكسير، ويتصرف بعدوانية شديدة مع أشقائه"، مبينةً أن إخوته يحاولون استيعاب وضعه، لكن "طفلتي الصغرى تعبت لكثرة ما تلقّت منه ضربًا وهي لا تدرك حالته، مرحلة الحجر الصحي كانت أسوأ مرحلة، فهو دائم الحركة ولا نستطيع السيطرة عليه، فيما كان لا يقبل استخدام الكمامة ولا يعي الخطر" تستدرك.

ورغم أن أم يزن حاصلة على شهادتي بكالوريوس، فهي لا تعمل للبقاء مع أحمد في المنزل، أما والده الذي يتلقّى فقط 40% من راتبه، بما يكفي بالكاد نفقات البيت العادية، لا يستطيع توفير نفقات علاج ابنه التي تفوق قدرته.

تكمل: "مصاب التوّحد يكلف عائلته مصاريف باهظة، والجمعيات التي تعمل في هذا المجال رغم أنها غير متخصصة تكاليفها مرتفعة جدًا، وهذا أضرّ بنا، من أجل حماية أطفالنا نحن نتحرك مع كل الجهات الرسمية التي يفترض أن ترعى وتحمي أطفالنا".

وتتفق السيدتان ريهام وأم يزن على أن النساء في قطاع غزة بحاجة إلى مركز متخصص لتقديم الرعاية الكاملة لأطفال طيف التوحد، "فهذا يخفف عن العائلات خاصة مع الحاجة إلى تأمين صحي، ورعاية كاملة، ومستلزمات طبية، فحتى استهلاكهم للطعام والشراب مختلف، ومن لديهم طفل توحّد لن يعيشوا أبدًا كأسرة عادية" تختم ريهام.