موتٌ بطيء يتجرّعه سكان غزة.. على شكل "ماء"
تاريخ النشر : 2022-03-23 11:05

بينما كانت تسكب الماء على أرضية بيتها في مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين غرب مدينة غزة لغرض التنظيف، سمعت المذيع يتحدث عن "يوم المياه العالمي"! نظرت إلى الدلو الذي كانت تحمل فيه الماء، وشردت ذهنيًا في صيفٍ قادمٍ لن يكون أقل صعوبةً من سابقه. ما الحكاية؟ التفاصيل تتبع:

كل مقومات الحياة الإنسانية في قطاع غزة المحاصر منذ 16 عامًا، غدت غير طبيعية، والأزمات التي تلقى على كاهل هذه البقعة تباعًا، هي نتاج احتلالٍ جثم على صدر الأرض نحو سبعة عقودٍ ونصف، ليحرم أهلها من أبسط الحقوق: الكهرباء، والتنقل، والعلاج، وحتى الماء الصالحة للاستخدام الآدمي!

تقول سمر: "لا يكفي ملوحتها، وقلتها، وانقطاعها بالأيام في أغلب الأحيان، بل إنها أضحت سبب المشكلات في بيتي؛ بيني وبين زوجي، وبين أبنائي كذلك".

تشرح الأم الوضع بقولها: "المشكلة تتفاقم في الصيف، عندما يحتاج زوجي وأبنائي السبعة إلى الاستحمام يوميًا لطبيعة الفصل الحارة، فإما أن يدخل زوجي ولا يجد ما يكفي استحمامه، أو أن أحد الأبناء أخذ حقه وزيادة من ماء الخزان، فيحرم باقي إخوته من حقهم في الاستحمام، ناهيكم عن الاحتياجات الأخرى للماء في الغسيل، والطبخ، وتنظيف البيت".

وهذا ما جعل "حلالة المشاكل" كما تصف نفسها، تضع جدولًا للاستحمام، وعدد دقائق محددة لكل فردٍ من أفراد العائلة! تكمل: "تزورنا مياه البلدية يومًا بعد يوم، في أحسن الأحوال، وقد تنقطع ليومي! وفي بيتي لا تكاد تمتلئ الخزانات حتى تفرغ بسبب كثرة الاستخدام كون عدد أفراد عائلتي كبير. وسأصارحكم القول: أحاول تخزين بعض المياه في جالونات وأواني طبخ أثناء ساعات وصل مياه البلدية، لأستخدمها بالإضافة لمياه الخزانات لأغراض التنظيف والجلي، وهذا يسبب أزمة مكان في مطبخي صغير المساحة أصلًا".

معاناة الأم هنا تتفاقم، فلا يلبي هذا المخزون احتياجات أسرتها، لكنها تحاول تدبير الأمر. تعقّب بنبرة أسى: "وعيت على الدنيا بغزة، ولا أذكر أننا حصلنا على مياهٍ كافية! وحتى بعدما تزوجت، لا أذكر أن يومًا مر علي دون شكوى بسبب الماء، التي إن توفرت يرافقها انقطاعٌ في الكهرباء التي يفترض أن ترفعها إلى الخزانات العلوية".

المشكلة ذاتها تؤرق نحو مليوني إنسان يعيشون في القطاع المحاصر منذ 16 عامًا، وتنخز القلب أكثر عندما يسمعون عن يوم المياه العالمي، الذي يصادف الـ 22 من مارس/آذار من كل عام، الذي حددته الأمانة العامة للأمم المتحدة في العام 1992م، لتسليط الضوء على أهمية المياه في حياتنا، وإبراز أهم التحديات والأزمات التي تواجه العالم للمحافظة على هذا المورد الثمين.

ويؤمن فارس حسين أن لا أحد في العالم يشتري مياهً الشرب إلا أهل فلسطين، وتحديدًا في قطاع غزة، "هنا ندفع ثمن ريّ عطشنا، وما نعرفه جميعًا ونسكت عنه لعدم وجود بديل، أن المياه التي نشتريها من عربات المياه أصلًا غير صالحة بالشكل المطلوب للأكل والشرب".

ويزيد الأب الذي يعمل موظفًا في السلطة الفلسطينية: "لا أُخفي عليكم أنني أحمل همَّ شراء هذه المياه، التي تتحول في الصيف لاستخدامات أخرى غير الشرب، كون مياه البلدية تنقطع بالأيام، ولا تكفي حاجتنا خلال ساعات وصولها".

ويتحدث الرجل عن أزمة ارتباطها بموعد وصل التيار الكهربائي، حيث تحتاج بشكل ضروري إلى مواتير تعمل على الكهرباء، لدفعها نحو الخزانات أعلى أسطح المنازل، "وأحيانًا –أو غالبًا- لا يتوافق الجدولان مع بعضهما، وبالتالي لا نستفيد من ساعات الوصول".

أما عن أمل الحاج، فأكبر مشكلة تتذكرها في هذا اليوم هو "تَلَف شعرها" بسبب المياه المالحة التي تستحم بها، وعدم قدرتها على التعويض بمياه محلاة في غالبية الأحيان، كونها تحتاج إلى تسخين منفصل عن طريق الغاز، بدلًا من السخانات الكهربائية.

تتابع: "هذا الأمر يتسبب بالمشاكل تحديدًا في الشتاء، لأننا نستهلك كهرباء وغاز بشكل مضاعف، وبالكاد يستطيع بابا تدبير الأمور".

هذه المشكلة لا تعدُّ ترفًا كما يصف الأمر بعض أفراد عائلتها، "فتلف الشعر وتأثر الجلد أحيانًا بسبب هذه المياه، له مضاعفات نفسية وجسدية تخشاها، بل إنها تتأذى نفسيًا حين يصفون شعرها بأنه "سلك جلي" لشدة تلفه".

يذكر أن سلطة المياه وجودة البيئة في غزة، قالت: إن الخزان الجوفي الساحلي والوحيد، ذو القدرة المحدودة، والذي يلبي أكثر من 90 بالمئة من الاحتياجات المائية لسكان القطاع، استنزف بشكل كبير وخطير بسبب الضخ الجائر، مؤكدةً أن الاحتلال الإسرائيلي يتحمل المسؤولية الكاملة عن أزمة المياه.

وأوضح مدير عام وحدة التخطيط والتوعية في السلطة مازن البنا، أن هناك تداخل لمياه البحر على طول الشريط الساحلي، ما أوصل الملوحة في مياه الآبار إلى مستويات تشكل تهديدًا خطيرًا لحياة السكان.

وأشار إلى أن التلوث الناتج عن تسرب مياه الصرف الصحي في مناطق متعددة من القطاع، بسبب نقص البنى التحتية، جعل من الصعب بمكان استخدام المياه الجوفية لأغراض الشرب، حيث أصبحت أكثر من 98 بالمئة من آبار مياه الشرب، غير صالحة لهذا الغرض بسبب سوء جودة مياهها.

وأكد البنا، أن الاحتلال يتحمل المسؤولية الأولى لما آل إليه وضع المياه في قطاع غزة، "وعن الكثافة السكانية العالية فيه، حيث يمثل اللاجئون فيه أكثر من 67% من تعداد السكان".