المُحررة حجازي.. وما زال الوجع ينخر عظام الذاكرة
تاريخ النشر : 2022-03-20 13:41

قطاع غزة | نوى:

"في ذلك اليوم، أجبروا والدي على مناداة أسمائنا تباعًا" تغيبُ إنعام في لحظة صمتٍ وشرودٍ ثم تنطقها بغصة: "اختاروني من بينهم".

هي قصةٌ حدثت منذ خمسة عقودٍ ونيف، لكن وجعها ما زال ينخر عظام الذاكرة! كان عمر الأسيرة المحررة إنعام حجازي آنذاك 17 عامًا. فتاةٌ لا يليق الحزن بقلبها صارت فجأةً "أسيرة" تعيش عذاب السجن، وتُكابد جبروت السجّان.

اقتحامٌ، وتفتيشٌ، وضربٌ، وتعذيبٌ، وتحررٌ، وإعادة اعتقال، هو ملخص سيرة حياة المرأة التي أخدت تروي قصتها في كنف شهر المرأة "آذار" لتوصل رسالة الأسيرات جميعهن: "الاحتلال شيطان المشكلات" التي تمس الفلسطينيات داخل وخارج فلسطين أيضًا.

تذكر إنعام ذلك اليوم بتفاصيله الصعبة، فتقول: "اقتادوني بعدما أغموا عيني على مرأى أسرتي التي عاشت أحلك لحظاتها، لا سيما وقد رفض الجنود حضور والدي معي"! وفي غرفةٍ لا تتجاوز المترين، رفعوا عن عينيها الغطاء. كانت الغرفة باردةً كئيبة. محققٌ يجلس خلف طاولة، ومجندةٌ تمسك بها لتضغط على أعصابها بسيل الأسئلة.

معلوماتٌ عن حياتها، وعلاقاتها، وصديقاتها، طلبها الاثنان عبر أسئلةٍ تحقيقيةٍ متلاحقة، أُلقيت على مسامعها بنبرةٍ تثير الرعب. الأسيرة طفلة في عرف حقوق الإنسان، والمحقق لا يعطي الأمر أهمية! استمر الوضع عدة ساعات حتى وصل إلى سؤاله الأهم: "من هم أفراد الخلية؟".

تضيف: "نظرتُ إليه، وسألته: ماذا يعني خلية؟ فأجابني بعد أن ضرب على الطاولة: المخربين الذين تتعاونين معهم". تردف: "رغم أنني أنكرت التهمة تمامًا، إلا أن المحقق قرر عقابي.. جنودٌ مدججون بالأسلحة، ضربوني، وسحلوني على الأرض، وصرخوا في وجهي (..) حتى عندما طلبتُ الذهاب إلى الحمام رفضوا وقالوا لها "اعمليها على حالك".

تعمل إنعام اليوم في جمعية "الأسيرات المحررات القدامى"، التي تُعنى بالأسيرات لتقدم لهم كل ما يلزم من أجل دعمهن نفسيًا، ولدمجهن أكثر بالمجتمع بعد التحرر، على اختلاف انتماءاتهن الحزبية، "فجميعهن واحد أمام سجان حاول النيل من إرادتهن في السجون" تزيد.

وتستذكر المحررة أصعب المواقف التي مرت عليها في سجن غزة المركزي، فتقول: "وضعوني داخل غرفة لأشاهد تعذيب شبان معتقلين لدى الاحتلال. أحضروا شابًا وأجبروه على خلع ملابسه بشكل كامل، ثم وضعوه في الماء البارد.. كان الوقت شتاءً والبرد قارس، أذكرُ ذلك جيدًا".

تصمتُ قليلًا في محاولةٍ لاستدعاء تفاصيل الحدث، ثم تكمل بنبرة ألم: "قيّدوه، ثم صعقوه بالكهرباء التي أخذت تردعه بشكل جنوني، بينما هم ينظرون ويستمتعون بصراخه"، ملفتةً إلى أنهم لم يكتفوا بذلك، "بل كانوا وسط هذا كله يستمرون بركله، وضربه، بينما يحاول هو أخذ أنفاسه بصعوبة".

ليس مشهد التعذيب هذا وحده الذي أرهق روح إنعام، "فقد حاولوا انتزاع اعترافات مني عن طريق تهديدي بأنهم سيفعلون بي كما فعلوا في الشاب نفسه، وعندما قلتُ لهم أنني سيدة، وأنهم لن يستطيعوا فعل هذا معي، قالو لي: لا فرق بينك وبينه عندنا، اعترفي وإلا ستواجهين ما واجهه معنا هنا" تضيف السيدة التي بدت فخورة -رغم مرور كل هذا العمر- بأن كل تهديداتهم لم تُثنها عن صمودها، ولم تجعلها تستسلم لهم.

خلال فترة اعتقالها، أكملت إنعام دراستها، وتقدمت لامتحان الصف الثانوي ونجحت، كما استمرت بالدراسة للثانوية العامة التي حالفها الحظ بالنجاح فيها في عامٍ يعد الأسوأ في حياتها.

"كل محاولات النيل من الأسرى فاشلة، الاحتلال يتبع أبشع الأساليب لكننا بقينا حصنًا منيعاً. ذكريات الاعتقال والأسر محفورة بذاكرتي، وأفخر بالحديث عنها فالأسر تجربة نبيلة لأجل حرية فلسطين" – تختم -.