غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"سعادة!.. شو يعني سعادة؟" يجد أحمد الوحيدي في هذا "الإفّيه الشعبي" ردًا كافيًا و"مضحكًا أيضًا"، على صديقه الذي طلب منه أن يبتسم لأن اليوم هو "يوم السعادة العالمي".
"هذا الطبيعي في بلادٍ تعيش تحت الاحتلال، وتفتقد أدنى مقومات الحياة المُرضية إن جاز التعبير، لا السعيدة حتى" يقول لـ "نوى".
ويحتفل العالم باليوم الدولي للسعادة في العشرين من مارس/ آذار من كل عام، بعد أن اعتمدت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة قرارًا يدعو إلى إعطاء السعادة أولويةً أكبر.
وصُنّفت فلسطين في المرتبة الـ 122 ضمن تقرير السعادة للعام 2022م، الصادر عن الأمم المتحدة من بين 147 دولة.
ولم تكن مداخلة محمد أبو الهنا، بعيدةً جدًا عن حديث الوحيدي، إذ قال: "مستقبل الشباب مجهول، والحاضر أقل ما يمكن وصفه به أنه "بائس".. لسنا مهيّئين نفسيًا للسعادة، ولا من مؤشرات تدفعنا لذلك في ظل حصار إسرائيلي قائم منذ ١٦ عامًا متواصلة".
ويضيف: "لا أملك الوقت للتفكير إذا ما كنت سعيدًا أو لا. أنا هنا أبحث عن قوت يومي، وأحفر بالصخر لأجل "أجرة يومية" تعيلني وأسرتي".
وعن مفهومه للسعادة يخبرنا محمد: "تشبه أن أحصل على عمل ينصف خبرتي العملية بعد ٥ سنوات في دراسة الهندسة، وأن أترك عملي هذا كبائع في بقالة! أن أرتاح نفسيًا وأنا أقضي يوم إجازة مرةً في الأسبوع، وأن أتقاضى الحد الأدنى للأجور على الأقل"، في إشارةٍ منه إلى أن كل هذا الأساسيات والأحلام البسيطة مفقودة بالنسبة له "فعن أي سعادةٍ نتحدث؟" يتساءل.
ويختلف الحال لدى الشابة صفاء دهمان، التي تعمل محاسبة في إحدى المؤسسات الخاصة، إذ تقول: "السعادة رضا، وأنا راضية. لقد حظيت بعملٍ مستقل، لديّ صديقات، ولم أفقد أحدًا من أفراد عائلتي بالحرب".
وتؤمن الشابة أن الظروف لها دور كبير بعدم تفهم الناس لمعنى السعادة، "فالعيش في قطاع غزة ليس سهلًا، وكل منزلٍ يعجُّ بالمشكلات، والهموم، والتوتر، والخوف من المستقبل المجهول" تقول.
وترى هدى سعد، وهي أمٌ لسبعة أبناء، وربة منزل، أن "السعادة تعني أن تمتد ساعات وصل الكهرباء لأكثر من ثمانية، وأن تنجز مهامها المنزلية بمساعدة أبنائها، وأن تجد تقديرًا حقيقيًا لكل ما تفعل، وأن يدخل عليها زوجها بوردة قطفها من حديقة منزلهم".
تزيد: "أبسط الأشياء تسعدنا نحن الأمهات، نجاح أبنائنا، حب أزواجنا واهتمامهم بنا، كلمات تُطيّب خاطرنا وتقدير كل مجهودٍ نفعله".
ولا يفكر الناس في قطاع غزة بالسعادة، بمعزل عن الأمن والاستقرار والوضع الاقتصادي، "وإلا سيكون هذا وهمًا" وفق ما أجمع عليه من قابلتهم "نوى" ضمن هذا التقرير. وبحسب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فإن نحو مليون ونصف فرد من سكان القطاع البالغ عددهم مليوني إنسان و300 ألف نسمة باتوا فقراء، بفعل الحصار، والقيود الإسرائيلية المفروضة على القطاع منذ عام 2006م.
ووفق التقرير، فقد تضاعفت مؤشرات الأزمة الإنسانية في القطاع بفعل الحصار، إذ كانت نسبة البطالة تبلغ عام 2005م، أي قبل فرض الحصار، نحو 23.6%، في حين وصلت عند نهاية عام 2021م إلى 50.2%، لتكون من بين أعلى معدلات البطالة في العالم.
وبالمثل، شهدت معدلات الفقر ارتفاعًا حادًا بفعل إجراءات الإغلاق والحظر الإسرائيلية، إذ قفزت من 40% في عام 2005م، إلى 69% في عام 2021م.
ولعلّ هذا السبب، كان وراء إجابةٍ لا تعدُّ صادمةً بالنسبة للناس هنا، فعندمنا سألنا طفلًا لم يتجاوز عمره ١٠ سنوات عن السعادة، ردّ بالقول: "بكون سعيد لو بطّلنا فقراء، لو بابا جاب زينة رمضان زي كل الناس بدون ما يقول معناش مصاري".
الطفل الذي بدا أكبر من عمر الحصار على غزة، لم يتردد بالتحدث عن أمنياته في الحصول على دراجة هوائية لكي يكون سعيدًا، وأن يحصل على مصروف يشتري فيه ساندويش فلافل وعلبة عصير كبعض أصدقائه، فهو يحصل على نصف المبلغ من أمه التي تدبر له ساندويش الزعتر، وتنصحه بشراء العصير بالمصروف.
حدّقت الأم بطفلها وكأنها تراه للمرة الأولى، صمتت لدقائق وتنهّدت قائلة: "لو تحققت أمنياتي طفلي، عندها فقط سأكون سعيدة".
