غزة:
"عن أي شقٍ في جسدي تريدون أن أتحدث؟ أنا الآن منقسم لاثنين، باقٍ ومبتور" قالها الصحفي مؤمن قريقع لـ"نوى" ممازحًا؛ في محاولةٍ للقفز عن الذكرى "المُرهقة" التي تلاحقه تزامنًا مع ذكرى يوم الجريح الفلسطيني التي تصادف الثالث عشر من آذار/ مارس من كل عام.

استهدافٌ إسرائيلي تسبب ببتر ساقيه، بينما كان يمارس عمله الصحفي برصد العدوان على غزة عام ٢٠٠٨م، كان مدعاةً لأن يلقّب نفسه بعدها بـ "الشهيد الحي"، لا سيما وقد تكررت إصاباته تباعًا، عندما لم يعتقه الاحتلال لا في عام 2014م، ولا في عام 2019م، عندما كان يصوّر أحداث مسيرات العودة وكسر الحصار! يعقّب: "استهدفتُ سليمًا، واستهدفتُ جريحًا، ولن أتوقّف عن أداء رسالتي الإعلامية، ولو كلفني ذلك حياتي".
يتذكر يوم الإصابة، ويضيف: "أتأثر من مشاهد التصوير التي أنقلها للعالم. منطقتنا ساخنة بالأحداث، وأي إنسان يمكن أن يكون هدفًا للاحتلال، بغض النظر عن كونه صحفي أو لا (..) الاحتلال لا يفكر بنا هكذا، هو يرانا هدف مشروع له وحسب".
ويحيي الفلسطينيون يوم الجريح كيوم وطني، لكنه بعيون الجرحى فرصة للتذكير بحقوقهم كأحد مقومات الصمود بعد الشهداء والأسرى -يخبرنا مؤمن، الذي ينظر إليه أفراد عائلته المكونة من زوجته، و٤ من الأطفال على أنه "سوبرمان".
في كل مرةٍ يسألونه عن ساقيه التي اعتقدوا أنه يخبئها منهم ضمن لعبة بينهم وبينه! يقص الأب على أطفاله تفاصيل الإصابة والبتر وكل الاستهداف، يستمعون له بشغف ويفخرون به حين يسيرون حوله، أو يدفعونه بكرسيه المتحرك للعب معهم في الشوارع وعلى البحر، وفي أماكن الترفيه.
في منزل آخر، ضجّ بالبكاء والآلام ومحاولات النهوض من السرير والنوم على الظهر لأشهر، يخبرنا الصحفي ياسر قديح مأساة إصابته بطلق ناري في مسيرات العودة وكسر الحصار قبل نحو ٤ سنوات.

أسرةٌ تشتّت بين شقي وطن، طفلين في غزة، والأم ترافق والدهم الجريح في الضفة الغربية، هكذا تحولت حياة ياسر، الذي بقي ملقىً على ظهره تسعة أشهر لتلقي علاج "لن ينتهي"، "إذ سيعيش عمره على المسكنات لمضاعفات الإصابة التي طالت أمعاءه".
يقول: "لم أفكر يومًا بأن أكون القصة"، وصفًا إصابته بـ "الكابوس" الذي غيّر حياته المهنية التي أخذ يعبر عنها بامتعاض وإحباط، فرغم نهوضه وعودته إلى عمله، إلا أنه لم يجد تقديراً لذلك على حد تعبيره، بل صار يعامل "كجريحٍ" لا كصحفي يقدم أجود ما لديه للاستمرار بمهنته التي يحب.
إصابة ياسر وصفت بالخطيرة، فقد مرّ بمراحل علاج قاسية، لكنه قاوم كل الظروف، وقاتل لأجل عمله، وهو أمر يراه "شفافًا" (أي غير مرئي) لدى أناس يعتقدون أن كفاءته قلت بعد الإصابة مهما حاول العطاء.
يحلم ياسر بالعودة للعب كرة القدم التي يعشق، لكن الإصابة تمنعه! أربع سنوات ممنوع خلالها من اللعب كي لا يضغط على الجرح فينزف مجددًا، تمامًا كما الأسى الذي يضرب قلبه، وتلك الأمنيات الكثيرة بأن لا يعيش أحد التجربة ذاتها.
قصةٌ ثالثة عاشها مصور آخر هو عطية درويش، الذي فقد نظره نتيجة قنبلة أطلقها جنود الاحتلال الإسرائيلي، واستهدفت عينه بشكل مباشر خلال تغطيته مسيرات العودة وكسر الحصار في ديسمبر/ كانون الأول من عام ٢٠١٨م.

أكثر ما كان يخشاه عطية بتغطيته لمسيرات العودة، أن يُجرح برصاص الاحتلال وتُبتر قدمه، لكن آخر ما توقعه إصابته بعينه التي هي محور حياته المهنية والعملية. تعبٌ نفسيٌ لم يكن أخف حدةً من الجسدي.
يبلغ مستوى الرؤية اليوم في عين عطية 10% فقط، ما يؤثر على عمله كمصور صحفي، ويجعل تركيزه في عين واحدة، عدا عن ملامح وجهه التي تغيرت بفعل الإصابة، وفق إفادته.
ولا يخفي مشكلة سمعه الذي تأثر أيضًا، إلى جانب عدم مقدرته على تحديد الأشياء بالعين اليسرى، حتى وصل الأمر به إلى عدم التركيز في النظر بشكل كبير، ورؤيته للهاتف والأجسام المختلفة بصعوبة بالغة، "وبالكاد أتمكن من تمييز لون الضوء، أصفر، أم أبيض، أم أحمر" يعلق.
يقول عطية: "أنا بحاجة لعلاج نفسي وجسدي، لا أحد يشعر بنا. الاهتمام وقتيٌّ فقط عند الإصابة. جهتي الشمال لا أستطيع النوم عليها. لا أعرف طعمًا للراحة، والنوم بعمق صار من أكبر أمنياتي.. في هذا اليوم، أتمنى حقًا أن لا يعيش أحدٌ تجربتي، وأن يزول الاحتلال، سبب الألم الذي ينخر أرواحنا هنا".
