لماذا أزعج تعميم "النفقة" الجديد "تشريعي" غزة؟
تاريخ النشر : 2022-02-18 16:48

غزة:

حالةٌ من الجدل أثارتها مجموعةٌ من التعميمات القضائية، التي أصدرها رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي بغزة د.حسن الجوجو، بخصوص قضايا تتعلق بالنساء في القطاع.

25 تعميمًا دارت حول إحالة قضايا الشقاق والنزاع إلى التحكيم لتقليل أمد التقاضي، وتمديد حضانة الأم لطفلها المريض، ونفقات التعليم الجامعي للأبناء، وغير ذلك، إلا أن التعميم الأكثر إثارةً للجدل كان الخاص بنفقة النساء اللواتي يتعرضن للطلاق التعسفي، إذ نص على حقهن في نفقةٍ من عام إلى ثلاثة أعوام، حسب تقدير القاضي.

التعميم الذي صدر يوم الجمعة الموافق 11 شباط/ فبراير الجاري، تبعه على الفور رد من اللجنة القانونية في المجلس التشريعي بغزة، التي أصدرت بيانًا قالت فيه: "إن التعميمات استحدثت أحكامًا تنطوي على صلاحيات هي حصرًا للمجلس التشريعي"، مطالبةً بإلغائها في أسرع وقت.

الواقع الذي تعيشه المرأة كطرفٍ في قضايا الشقاق والنزاع في قطاع غزة، دفع بالمؤسسات النسوية إلى التمسك بهذه التعميمات والدفاع عنها؛ انطلاقًا من حاجة النساء لها، في الوقت الذي تشبّث فيه "التشريعي" باعتراضه على التعدّي على صلاحياته في إصدار تعميمات قال إنها "تنشئ قوانين جديدة" دون الحديث صراحةً عن رفض مضمونها.

مديرة مركز الأبحاث والاستشارات القانونية للمرأة، زينب الغنيمي قالت لـ"نوى": "إن هذه التعميمات جاءت نتيجة عدة لقاءات مع القضاء الشرعي، وهي مهمة للنساء، وخطوة على طريق تحسين الواقع"، مشيرةً إلى أن تقصير أمد التقاضي في قضايا الشقاق والنزاع، وحضانة الأم لطفلها المريض مراعاة للمصلحة الفضلى للطفل، ستسهم بشكلٍ كبير في التخفيف من حدة آثار الانفصال بالنسبة للأم، وللطفل على حدٍ سواء، "ومع نهاية ديسمبر 2021م، دخل حيز التنفيذ خصم ثلث الراتب لصالح المطلقة، كي لا تبقى أمدًا في المحاكم لنيل حقوقها".

وفي موضوع الطلاق التعسفي، فإنه -وفقًا للغنيمي- يطال كبيرات السن بالدرجة الأولى، اللاتي يفنين شبابهن مع أزواجهن الذين يتخلون عنهن فجأة، "وتستحق الواحدة منهن نفقة ما بين سنة إلى ثلاث على الأقل" تضيف.

وانتقدت الغنيمي موقف المجلس التشريعي الذي أصدر بيانًا تسبّب في إثارة ضجة، وبقراءةٍ أخرى "فهو يحرّض، وهذا موقف غير معهود في تعامل السلطات الثلاث مع بعضها"، مردفةً بالقول: "عندما تهاجم السلطة التشريعية السلطة القضائية وتضعها في موقف سلبي أمام الجمهور، الذي بدأ يهاجم السلطة القضائية والمؤسسات النسوية في آنٍ معًا".

وتعقب بانفعال: "شتموا بالأسماء، وهناك شتائم طالتني شخصيًا، وهذا لمجرد أن هناك تصور أولي بأن التعميمات مخالفة للقانون، رغم أن الواضح أنهم لم يقرأوها بشكل جيد"، متابعةً: "هذه التعميمات لم تنشئ قوانين جديدة، لكنها جاءت شارحة ومفسرة (..) كان بإمكانهم الذهاب إلى القضاء الشرعي والتفاهم معهم، توحيد القوانين مطلوب، ولا يوجد شيء يسمى (إلغاء التعميمات)، فمجلس القضاء من حقه إصدار التعميمات، وهذا اعتداء على صلاحيات السلطة القضائية".

تزيد الغنيمي: "المجلس التشريعي لا يحمل توجهًا يدعم حقوق النساء، بل إن كتلة التغيير والإصلاح تميل إلى تحجيم دور المرأة في القوانين"، مستطردةً في الشرح: "مثلًا رفع سن الحضانة للأرامل تم منذ عام 2009م وهو عالقٌ لباقي النساء حتى الآن، وقانون الأحوال الشخصية عالق، وهناك حملات شعبية لنساء يطالبن بحضانة أطفالهن، دونما استجابة، وكانت هناك حملة لمركز شؤون المرأة وعدد من المؤسسات من أجل رفع سن الزواج، ولم يتم هذا أيضًا".

وأكدت الغنيمي أن مركز الأبحاث، أرسل مذكرة قانونية لتوضيح هذه التعميمات إلى المجلس التشريعي، ورئيس المجلس الأعلى للقضاء النظامي، وإلى وزارة العدل، واللجنة الإدارية، تناشد فيها وتطالب بضرورة العمل على مبدأ الفصل بين السلطات.

بدورها، قالت أمينة سر المجلس التشريعي الفلسطيني في قطاع غزة النائب هدى نعيم: "إن المجلس التشريعي يحترم التخصصية واستقلال القضاء، ويعمل على الفصل بين السلطات، وعدم تداخل صلاحياتها"، مستدركةً بالقول: "لكن لا يحق للقضاء الشرعي إنشاء وقائع جديدة (..) إن ما حدث هو إنشاء قوانين، فحين يستخدم مصطلح الطلاق التعسفي دون توضيح مفهوم التعسف، ويحدد عقوبة هي دفع نفقة من سنة إلى ثلاث سنوات، فهذه عقوبة وليست حقًا".

وتفسر ذلك بقولها: "لأن حقوق النساء نفقة لثلاثة شهور، بالإضافة إلى المؤخر، وعفش البيت، كذلك فإن التعميم لم يأخذ كفايته من التفسير، وترك مساحةً واسعةً للتأويل".

وتبعًا لنعيم فإن التشريعي ما زال عند موقفه من أن إصدار التشريعات حصرًا من اختصاصه، مشيرةً إلى أن الخلاف على الاختصاص، وليس على مضمون المواد التي يمكن التوصل إلى اتفاقٍ بشأنها، "ولو احتاج مجلس القضاء مادةً قانونية، كان بوسعه مخاطبة المجلس التشريعي من أجل إجراء تعديلٍ معين، إذا كانوا يرون أن قانون الأحوال الشخصية تأخر".

ونفت أن يعمل المجلس التشريعي على تأليب الجمهور ضد القضاء الشرعي، "لكن المجلس التشريعي يعكف منذ شهر على مراجعة 21 تعميمًا قضائيًا، فما يخص القضاء يذهب له، وما يخص التشريعي نطالب بوقفه"، مبينةً أنه وقبل التواصل مع رئيس المجلس، صدر التعميم الأخير الذي رافقه حالة من الجدل، ما دفع بالمجلس التشريعي إلى إصدار بيان يوضح فيه بأن هذا ليس من اختصاص القضاء، والمطالبة بوقف العمل بها (التعميمات) إلى حين دراستها وتوضيحها.

وأردفت: "الناس هاجمت المجلس التشريعي بعد بيانه وكأنه ضد النساء"، نافيةً ذلك بالاستدلال بقانون التنفيذ الشرعي رقم (6) لعام 2021م، الذي صدر في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وكان القضاء الشرعي نفسه شريكًا فيه، إلى جانب الكثير من المحامين الشرعيين.

ووصفت نعيم القانون سابق الذكر بأنه "من أروع القوانين التي تنصف النساء، إذ أنه يضمن تقصير أمد التقاضي، ويمنحها 30% من راتب الرجل عند الطلاق، وقبل هذا الحصول على ثلث حقوقها دفعة واحدة فور الطلاق، إضافةً إلى أن بوسعها التوجه إلى أي محكمة قرب بيتها، خلافًا للسابق حيث كان مطلوبًا منها الذهاب إلى المحكمة التي تم عقد قرانها فيها".

وحول تأخر قانون الأحوال الشخصية، عزت نعيم ذلك إلى أن نقاشه يحتاج وقتًا، "فهو يمس كل بيت، ولهذا يحتاج إلى المزيد من الورش والجلسات"، معلقةً بالقول: "من غير المعقول إصدار قانون لا نجد إمكانيةً لتطبيقه".

بالإضافة إلى ذلك (والحديث لها)، فإن قوانين الخلع والحضانة هي الأكثر تداولًا داخل المجلس، متابعةً: "الخلع أمره سهل، لكن قانون الحضانة فيه إشكاليات، فرفع سن الحضانة يتطلب تعديل نحو 15 مادة".

وتختم بالقول: "بالنسبة للمراسلات، نحن منفتحون على كل الملاحظات، ولدينا ملف خاص بقانون الأحوال الشخصية، يتم فيه جمع كل الأوراق والمراسلات الخاصة، ومن كافة الأطراف، من أجل مراجعتها ضمن أوراق الملف".