غزة:
رغم مرور سنواتٍ على تخرجها، إلا أن سهاد جمال (25 عامًا)، لم تحظَ بفرصة عملٍ دائمة حتى اللحظة، بل حتى الفرص المؤقتة لا تدرّ عليها سوى ما يكفي حاجتها الشخصية.
تصف الشابة التي تعيش في حي النصر بمدينة غزة، دخلها الشهري بـ "فتات المال"، الذي بالكاد يكفيها أجرة مواصلاتها، أو أكثر قليلًا، وتقول: "قضيت 4 سنواتٍ في الدراسة لعل واقع الحال يتغيّر، لكن كل ما يقابلني من فرص، لا يكفي حتى لمصروفي الشخصي".
هذا الواقع ذاته، يعيشه محمد حامد (28 عامًا) مع اختلاف بعض التفاصيل. فالشاب الذي تخرج قبل أربع سنوات، لم يحظَ حتى اللآن بفرصة عمل ثابتة.
يقول لـ "نوى": "بحثتُ عن فرص كثيرة، سواء لدى الحكومة، أو في المؤسسات الخاصة، لكن كل ما كتُ أحصل عليه هو فرص مؤقتة لشهر أو شهرين، أو عمل مقتطع لأيام وينتهي"، ملفتًا إلى أن الحال وصل به إلى الدرجة التي قبل فيها العمل في عدة تخصصات بعيدةٍ كل البعد عن شهادته، "حتى أنني لم أكترث لظروف أي عمل كنتُ أحصل عليه، وأقبلها مهما كانت صعبة" يزيد.
ويضيف: "حاولت مرارًا فتح مشروع خاص، فوجدت أن كل المشاريع تحتاج إلى دعم. الموضوع ليس سهلًا، فهنا الواقع خانق والآمال تضيع".
الواقع الذي يشتكي منه كلًا من سهاد ومحمد، ينطبق على آلاف الفلسطينيين في السوق المحلي بقطاع غزة، "فوفقًا لبيان أصدره الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني يوم أمس، بلغ معدّل البطالة في فلسطين 26%، بواقع 372 ألف شخص عاطل عن العمل، بينهم 47% في قطاع غزة، (بواقع 230 ألف شخص)، مقابل 16% في الضفة الغربية، (أي بواقع 142 ألف شخص).
وترتفع النسبة لدى النساء مقارنةً بالذكور، إذ بلغت نسبة مشاركتهن في سوق العمل 17%، مقابل 69% للذكور في فلسطين، "أي بمعدّل 39٪ في قطاع غزة، مقارنةً بـ 46٪ في الضفة الغربية، بواقع230 ألف شخص في قطاع غزة، و142 ألف شخص في الضفة الغربية.
اللافت في هذه النتائج، هو ثبات نسبة البطالة دون تحسّن منذ سنوات، خاصةً في قطاع غزة. واقعٌ يعزوه المحلل الاقتصادي د.رائد حلس إلى عدة عوامل، أهمُها: استمرار الانقسام الفلسطيني الذي حال دون تنفيذ العديد من الخطط الاقتصادية المهمة، والحصار الإسرائيلي لقطاع غزة منذ عام 2007، وأربع عدوانات شنّها الاحتلال الإسرائيلي، خلّفت خسائر بشرية، واقتصادية هائلة، ورفعت نسبة البطالة إلى مستوى يعدُّ الأعلى عالميًا، حتى مقارنةً بالضفة الغربية.
وتتفق المحللة الاقتصادية د.خلود الفليت مع حلس، في أن الانقسام السياسي الفلسطيني، والحصار الإسرائيلي، والحروب الإسرائيلية على قطاع غزة، تسببت في تدهور الوضع الاقتصادي، مشيرةً إلى أن الموضوع "سياسي اقتصادي" وليس اقتصاديًا بحتًا.
فالواقع -حسب تعبيرها- محبطٌ جدًا، "نسب البطالة ثابتة بسبب عدم توفر فرص عمل جديدة، وعدم وجود أي تغير جوهري على حال البلد في قطاع غزة، فكان من الطبيعي أن تستمر الأزمات، التي يرتبط حلها بتغير في الوضع السياسي.
وأرجع حلس ارتفاع معدّل البطالة في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، إلى اختلاف معدلات السكان بين المدن الفلسطينية، "فتبعًا لعدد السكان تكون النسبة الأعلى، كذلك هناك العديد من العوامل التي تتسبب في تدني مشاركة النساء في سوق العمل وفقدان أهم مورد بشري وهي المرأة التي تشكل نصف المجتمع، وعنصرًا فاعلًا في كل المجالات، مثلًا: تدني أجور النساء مقارنة بالذكور، وأن الكثير من النساء يعملن في مشاريع عائلية بلا مقابل، إضافة إلى أن الكثير من المتزوجات يخرجن من سوق العمل لأسباب متعلقة بتقديمهن خدمات مرتبطة بالأسرة، فتنضم إلى سوق البطالة.
فيما فسرت الفليت ارتفاع النسبة في دير البلح، بأنها تفتقد لوجود مؤسسات كبيرة تستوعب عددًا كبيرًا من العاملين والعاملات، "فعدد الموجود فيها محدود قياسًا بالمدن الأخرى سواء الخاصة أو العامة" تردف.
وحول ارتفاع معدل البطالة لدى الإناث قياسًا بالذكور عقّبت: "هناك الكثير من المؤسسات تفضل تشغيل الذكور بسبب عدم وجود إجازات أمومة أو ساعة رضاع، بل إن هناك سياسات مبطنة غير مصرح بها لدى الكثير من المؤسسات، تقضي بعدم تعيين إناث رغم إقبال الفتيات على هذه المهن".
وتحتل فلسطين مركزًا متقدمًا في نسبة النساء المتعلمات، لكن هذا لا ينعكس إيجابًا على سوق العمل للأسباب السابقة، "وهذا يتطلب جهدًا أكبر من قبل المؤسسات النسوية والحقوقية، للدفاع أكثر عن حقوق النساء والتوعية بأهمية إشراكهن في سوق العمل".
في سوق العمل المحلي، ثمة انتهاكات أيضًا تُرتكب، فالشاب محمد أحمد يعمل في إحدى الورش بمدينة غزة، بدوامٍ يصل إلى ساعات متأخرة وبمقابل مادي زهيد.
يقول الشاب الذي يبلغ من العمر (24 عامًا) لـ"نوى": "فرص العمل ضيقة جدًا، وإن تركت أنا المكان، هناك العشرات ممن يقبلن بظروف العمل الصعبة، والمردود الزهيد".
ورغم طول المدة التي قضاها في عمله، فإن الشاب لم يحظَ بعقد عمل بعد، ولا حتى إجازات سوى العطل الرسمية، يقول :"هو مرهق جدًا وأعلم أن هناك حقوق للعمال، ولكن ما باليد حيلة إن تركت سأكون في الشارع على الأقل أتدبر بعض مصروفاتي"، ويتمسك الشاب بعمله رغم أنه لن يكفيه توفير نفقات تأسيس بيت أو الإقدام على الزواج.
يتحدث حلس عن سوق العمل المحلي بداية بارتفاع عدد المشاركين فيه من 830 إلى 889 ألفًا بأنه مرتبط بزيادة عدد السكن، "ولكن لا يعطي مؤشرًا بأن هناك فرص كبيرة، فسوق العمل المحلي في قطاع غزة يوفر ما لا يزيد عن 8000-9000 فرصة عمل فقط.
وقسّم حلس سوق العمل في فلسطين إلى أربعة أقسام رئيسة هي: العمل في القطاع العام "الحكومة"، وقطاع المؤسسات، والقطاع الخاص ورابعًا في الداخل الفلسطيني المحتل، "وإن نظرنا صوب القطاع العام، فهو مشبع ولم يعد يستوعب المزيد" يعلق.
وأشار حلس إلى وسيلة مهمة متعلقة بأن 52% يعملون بلا عقود عمل، وهذا يعني عدم وجود حقوق عمالية لهم، والعمل دون الحد الأدنى للأجور، وفي ظروف تخالف قانون العمل الفلسطيني والقوانين الدولية ذات الصلة بحقوق العمال، مشيرًا إلى أن لدينا قوانين عمالية جيدة لكنها غير مطبّقة، بما فيها حقوق العاملات.
وبالحديث عن العمل داخل مستوطنات الاحتلال، قال: :هذا النوع من العمل، يخفف من البطالة، لكنها تبقى ورقة ضغط بيد الاحتلال الإسرائيلي في أي وقت يمنعهم من العملن ويجعلهم قنبلة موقوتة في وجه الحكومة التي يصبح من الواجب عليها تقديم خدمات إغاثية لهم.
وأوصى حلس لتحسين سوق العمل في قطاع غزة، بضرورة إنهاء الانقسام، "وهذا ما أكدت عليه كل الدراسات الاقتصادية"، فخطط التنمية التي تم وضعها كلها كانت مهمة، ولكن تحتاج إنهاء الانقسام، ثانيًا/ التحلل من التبعية للاقتصاد الإسرائيلي، وأيضًا تشجيع المشاريع الريادية للشباب الفلسطيني وتبني المشاريع الصغيرة، وتبني رؤية جديدة في التعليم الجامعي بحيث تعطي الأولوية لتخصصات يحتاجها سوق العمل وليس التخصصات التي أصبحت تعاني تخمة فيه.
بدورها أوصت الفليت Fضرورة إيجاد حلول جوهرية وجذرية للحد من ظاهرة الفقر، والبطالة التي باتت تهدد المجتمع وتدفع بالكثير من الطاقات والإمكانيات الشابة نحو الهجرة،؛ وذلك عبر تبني سياسات داعمة لسوق العمل محليًا وتشجيع العمل الحر والعمل عن بعد.
يردف: "فهي مجالات من شأنها أن تخفف من الظاهرة، وتخفف الضغط على القطاعات التي لم تعد تستوعب المزيد من العمالة".
كما أوصت بتكاتف مؤسسات المجتمع للعمل على تقليل البطالة، والتوجه نحو استثمار العلاقات الدبلوماسية للحصول على عقود عمل للشباب خارج فلسطين، وفتح مشاريع إنتاجية بإشراف الحكومة، وتبني سياسات مختلفة في التعليم تسهم في رفد سوق العمل بتخصصات جديدة.
