القدس:
تعقّدت حياة المواطنة الفلسطينية فاطمة بن بري، التي تعيش في الداخل الفلسطيني المحتل اليوم أكثر، مع إعادة طرح حكومة الاحتلال الإسرائيلي لما يسمى بـ"قانون المواطنة".
القانون الذي سُنَّ إبان الانتفاضة الثانية "انتفاضة الأقصى"، ينص على حظر منح أي جنسية أو مواطَنة لفلسطينيين من المناطق المحتلة عام 1967 (الضفة الغربية وقطاع غزة)، المتزوجين من مواطني "إسرائيل"، كنوعٍ من العقاب بدعوى مشاركتهم في الانتفاضة.
وفي تفاصيل حكاية بن بري التي تعيش في قرية "شقيب السلام" بالنقب المحتل، والمتزوجة منذ عام 1998م بفلسطيني من قطاع غزة، فقد كانت حياتها مستتبة عندما كان زوجها يعيش برفقتها وأبنائهما الخمسة، حتى عام 2006م.
تقول السيدة لـ "نوى": "كان زوجي يجدد هويته سنويًا بشكلٍ عادي، حتى جاء ذلك العام الذي داهم فيه بيتنا جنود الاحتلال فجأة، وطلبوا من زوجي التخابر معهم، وعندما رفض، هددوه بقولهم: "ستندم".
في عام 2006م، ذهب الرجل لتجديد هويته ليفاجأ بالرفض! ذلك بعد محاولاتٍ من إحدى المجندات لانتزاع أي اعتراف من فاطمة بأنه يسيء معاملتها، "وعندما لم ينالوا ما أرادوه، أبعدوه إلى قطاع غزة بحجة صلة قرابة تربطه بأسيرٍ فلسطينيٍ في سجونهم" تضيف.
ومنذ ذلك الحين، تُحرم فاطمة وعائلتها من الاجتماع بزوجها، إلا من عدة مرات سُمح لها فيها بدخول قطاع غزة، عبر تصريح زيارةٍ مؤقت، وبجهودٍ من مؤسساتٍ حقوقية.
ويعيش في أراضي الداخل الفلسطيني المحتل حاليًا 1.6 مليون فلسطينية وفلسطيني، ينحدرون من 154 ألفًا ظلّوا هناك إبان النكبة عام 1948م، حين هَجّرت عصابات الاحتلال الإسرائيلي الفلسطينيين من أراضيهم.
تردف فاطمة: "تقدمتُ عدة مرات بطلبات لمّ شملٍ لعائلتي دون جدوى، ووجود مثل هذا القانون حاليًا، يُعطّلُ القضية أكثر، ويجعلها أكثر صعوبة". الأصعب بالنسبة للسيدة هو اعتقال نجلها كرم، البالغ من العمر 19 عامًا، على خلفية أحداث اعتداءات الاحتلال على النقب.
ظلّ كرم شهرًا لا تعرف عنه أمه شيئًا؛ حتى فوجئت بوجوده في سجن "مجدو" حاليًا. ورغم إطلاق سراح العديد من متظاهري ذلك اليوم، إلا أن كرم يواجه مشكلةً إضافية، فهو ابن رجلٍ من غزة "وهذا بالنسبة للاحتلال تهمة" تعقب.
وصدر ما تطلق عليه دولة الاحتلال اسم "قانون المواطنة" بداية الأمر على اعتبار أنه "قانون طوارئ" بـ (نصٍ مؤقت)، لكنه ظلَّ يُمدد سنويًا حتى الآن.
وقد نصّ على أن "يظل ساري المفعول حتى نهاية عامٍ من تاريخ نشره، لكن يحق للحكومة، بموافقة الكنيست، تمديد سريانه من وقتٍ لآخر، لفترةٍ لا تتجاوز سنة واحدة في كل مناسبة".
قصةٌ أخرى للمواطن رائد عبيد، ابن مدينة جنين بالضفة الغربية، الذي يعيش مع زوجته وابنيهما في مدينة عكا بالداخل المحتل.
رائد الذي تزوَّج منذ عام 2005م، تقدّم عدة مراتٍ بطلب لم الشمل، خاصةً بعد تجاوزه سن الـ 35 دون جدوى، ليتسبب تمرير الكنيست للقانون بزيادة المشكلة.
يقول رائد: "ليس لديّ سوى تصريح دخولٍ للعمل، وهو ما أقضي فيه وقتي، لكنه لا يمنحني الحق في قيادة سيارة، أو فتح حسب بنكي، أو توفير تأمين صحي، أو التصرف بشكل طبيعي، حتى أن المردود المالي الذي أتقاضاه، أقل بكثيرٍ مما يحصل عليه الحاصلون على إقامة لم الشمل".
يكمل: "صحيح أن أطفالي لا يعانون في مسألة الالتحاق بمدارسهم، ولكن إن حدث انفصال -مثلًا لا سمح الله- فأنا ممنوعٌ من المطالبة بهم، وزوجتي كذلك، لا تستطيع الانتقال إلى الضفة الغربية، لأن حكومة الاحتلال سترفض انتقال الأطفال إلى هناك (..) زوجتي حاولت مرارًا تجديد المطالبة بلم الشمل لكن دون فائدة".
وعلاوةً على كون القانون عنصري، وانتهاكٌ صارخٌ لحقوق الإنسان، فهو أيضًا يتسبب في حالة نفسية سيئة للفلسطينيين في الداخل المحتل؛ لا سيما المتضررين من قانون "منع لم الشمل"، إذ يجعلهم في حالة قلق وتوتر دائم، خاصة أنهم -وفقًا لرائد- نجحوا في وقفه العام الماضي، ليجدوا أنفسهم هذا العام، وقد عادوا إلى نقطة الصفر!
قصةٌ مشابهة يعيش تفاصيلها شابٌ فلسطينيٌ فضّل عدم ذكر اسمه، فهو من قطاع غزة، ويعيش في الداخل المحتل منذ عام 1996م، فيما تزوج من إحدى قريباته هناك عام 2001م.
يقول لـ "نوى": "أُبعدتُ إلى قطاع غزة عام 2009م مدة عشر سنوات، ومن ثم عدتُ إلى هناك بتصريح عمل تجاري، وبقيتُ دون أوراق رسمية"، واصفًا حياته بالقول: "باتت تشبه حياة المطاردين في الجبال".
ويزيد: "رغم أن زوجتي تقدمت مرارًا بطلبات لم شمل، لكن أنا وأبنائي الستة نعيش حياةً غير مستقرة، لا أستطيع التحرك من أجل العمل وهذا مزعج بالنسبة لي (..) أبلغ من العمر اليوم 42 عامًا، ولا أستطيع العمل في أية مهنة، فصعوبة وضعي تحدّ من قدرتي على التحرّك".
مصادقة حكومة الاحتلال على القانون، وتمريره في الكنيست بالقراءة الأولى، أثارت ضجة في الداخل المحتل لدى العائلات، إذ بلغ عدد الطلبات المقدّمة للحصول على لم الشمل 45 ألفًا، ولم تتم الموافقة سوى على 1600 منها.
ممثل العائلات المتضررة الناشط السياسي تيسير الخطيب، قال في تصريحاتٍ لتلفزيون "هنا الناصرة": "إن تمرير القانون بالقراءة الأولى هو طعنة في قلب تلك العائلات التي لا تستطيع أن تعيش بشكلٍ عادي، وتعاني الكثير من المعوقات في حياتها".
ووجه خطيب اللوم لممثلي القائمة العربية الموحدة (إحدى القوائم العربية في الكنيست)، التي تغيّب نوّابها يوم التصويت على القانون، مما تسبب في مروره بالقراءة الأولى، "وهناك مخاطر من أن يمر بالقراءة الثانية" يعلق.
الأربعيني تيسير هو أحد المتضررين من القانون، كونه من مدينة عكا، ومتزوجٌ من فلسطينية من مدينة جنين هي الأكاديمية لنا زعرور.
يناضل الاثنان منذ سنوات كي يعيشوا حياة طبيعية لا خوف فيها من تشتيت الأسرة، "ولكن الوضع بات مخيفًا الآن".
يضيف الخطيب في تصريحه للقناة المذكورة: "نجحنا من خلال حملة ضغط في إسقاط القانون العام الماضي، لكن ما تفعله القائمة الموحدة -التي يتزعمها منصور عباس- تسببت في إعادة هذا القانون العنصري إلى الواجهة"، مشيرًا إلى أن 1600 حصلوا على موافقات لم الشمل، وهم ممن تقدموا بطلبات لها قبل عام 2003م، أي قبل وجود القانون أصلًا. وشدد خطيب على ضرورة بقاء قضية لم الشمل بعيدةً عن المناكفات السياسية، خاصةً العربية منها.
وجاء قانون المواطنة، في بداية إقراره بنصٍ يمنع تمامًا "أي شخص يحمل بطاقة هوية الضفة الغربية، أو غزة، بالانتقال إلى "إسرائيل" للانضمام إلى زوجته/ زوجها هناك"، إلا أنه تم تعديله عام 2005م، ليسمح للنساء فوق سن 25 عامًا، وللرجال فوق سن 35 عامًا، بالتقدم للحصول على تصاريح مؤقتة، للعيش في الأراضي المحتلة عام 1948م، مع استمرار عدم منح الجنسية لجميع الحالات، إلا لعدد قليل منها.
