في ليل غزة.. هذا ما يحدث عندما تنقطع الكهرباء فجأة
تاريخ النشر : 2022-02-06 19:55

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

حالة من الصراخ الهستيري تصيب محمود بمجرد أن يفتح عينيه على السواد القاتم في ليالي غزة المظلمة، فهنا بالكاد يحصل المواطن على 6 ساعات من الكهرباء المتواصلة. تقول أمه: "عبثًا أُحاول تهدِئته، بينما هو يصرخ: أشعلي الضوء. في تلك اللحظة فقط، أي عندما يراني ويرى طريقه يهدأ".

تضرب السيدة الثلاثينية كفًا بكف، وتضيف: "من أين لي بالإضاءة في وقت بالكاد تصلنا فيه الكهرباء ست ساعات،ـ تتخللها انقطاعاتٌ بين الفينة والأخرى، مقابل 12 ساعة قطع متواصلة. نحن لا نتمكن حتى من إتمام شحن بطارياتنا المهترأة، التي نؤجل تغييرها كل شهر إلى الذي يليه"، "فالمتطلبات كثيرة، والراتب ع القد" تعقب.

يعمل زوج أم محمود موظفًا في إحدى الوزارات التابعة لحكومة غزة، وما يتحصل عليه شهريًا، بالكاد يمكن عائلته من تغطية أدنى متطلبات الحياة وفق وصف الرجل، "وهذا هو السبب الذي يمنع من مد شبكة كهرباء بديلة من مولد الحي، أو شراء بطاريات جديدة، وأكبر حجمًا" يخبرنا.

بالعودة إلى محمود ذو الأعوام الستة، وحالة الهلع التي يصاب بها ليلًا كلما انقطعت الكهرباء، فإن أمه لم تترك أحدًا لم تسأله عن حل لتخليص ابنها من هذه المخاوف التي تمنعه النوم. يقول: "أرى خيالات تتحرك أينما وجّهت عيني"، بينما تؤكد أمه أنه وللمرة الأولى منذ سنوات، تبوّل لا إراديًا أثناء الليل.

الحكاية ذاتها تتكرر في غالبية المنازل التي يقطنها أطفال بغزة! حتى أن عمر الذي لم يكمل العامين من عمره بعد، يصرخ بمجرد ذهاب النور، ثم يبدأ رحلةً مرعبةً من البحث عن حضن أمه، التي تحاول تهدئته بإضاءة "كشّاف" اشترته خصيصًا لأجل هذه اللحظات التي تقول "إنها تتكرر بشكلٍ يومي".

أم يحيى أيضاً تعاني مع طفلها الذي لم يكمل عامًا واحدًا بعد! إذ تنتابه نوبه بكاء شديدة ما أن تنقطع الكهرباء ليلًا، ولا يسكت إلا بعد إضاءة المكان. تقول لـ "نوى": "حتى طفلتي التي تبلغ من العمر 9 سنوات، تتخيل أثاث المنزل عفاريت من الجن، وأحيانًا تخبرنا أنها رأت أبو رجل مسلوخة الذي حدثتها عنه إحدى صديقاتها في المدرسة، وفي أحيان أخرى تشير إلى أنها رأت وحوشًا تسمّيهم بأسماء لا نعرفها"، مؤكدةً أنها لم تعتد أن تروي لأطفالها قصصًا مخيفة، "لكنني لا أملك وسيلةً لمنع تعرّضهم لخبراتٍ من الأقران والمعارف".

وترى الأخصائية النفسية في برنامج غزة للصحة النفسية ختام أبو شوارب أن الخوف من الظلام شعور مشترك بالنسبة لمعظم الأطفال، وعادةً ما يبدأ في عام الطفل الثالث، ذلك عندما تتسع القدرات المعرفية له، وتتوسع مخيلته. "وبالنسبة لبعض الأطفال، لا يذهب هذا الخوف أبدًا، إذا تفاقم الأمر دون انتباه الوالدين، أو إيجاد العلاج المناسب" تقول.

وتفند أبو شوارب الأسباب التي تزيد من حدة مخاوف الأطفال من العتمة، فتزيد: "يمكن أن يلاحظ الطفل أن والدته أو أشقائه الأكبر سنًا، أو حتى بعض الأقران يخافون من العتمة، فيخاف من العتمة مثلهم، ويمكن أن يكون الطفل قد تعرض لموقفٍ معين  أثار مخاوفه أثناء العتمة، ما جعل الخوف يرتبط لديه بالعتمة".

ووفقًا لمتابعات الأخصائية النفسية، فإن المخاوف لدى الأطفال، وحتى من هم أكبر سنًا، ترتبط بالليل، تحديدًا في فترة العدوان والتصعيد الإسرائيلي، ما يجعل الأطفال يخافون من التحرك بعيدًا عن الأم، ويخافون من النوم وحدهم، أو الذهاب إلى الحمام أو المطبخ  وحدهم، وقد تتطور المشكلة لتصل إلى مرحلة التبول اللاإرادي.

ولم تعفِ أبو شوارب الموروث الشعبي، وبعض طرق التربية التي تحاول فيها بعض الأمهات بث الخوف في نفوس أطفالهن لدفعهم للنوم، من المسؤولية تجاه تأسيس قاعدةٍ جاهزة لنمو المخاوف لجى أطفالهن، مثل تهديدهم بأبو رجل مسلوخة، أو أمنا الغولة، "وهنا يتحول النوم لدى الأطفال إلى كابوس ثقيل، قد يصاحبهم لوقت طويل إذا لم يتم التدخل في الوقت المناسب".

كما أن التكنولوجيا والهواتف الذكية وما بها من أفلام كرتون ليست بريئة من بث الخوف في نفوس الأطفال –وفقًا لأبو شوارب- خاصةً أن الطفل الأصغر سنًا، لا يفرّق في هذه الفترة بين الخيال والواقع، "ناهيكم عن أن بعض أشكال الكرتون، أو مشاهد العنف في الألعاب، تزيد من التخيل المرعب لدى الطفل دون أن ينتبه الآباء لهذا" تردف.

أما الحلول كما تراها، فترتبطُ بدايةً بتغيير أساليب التربية التي تعتمد على التخويف والتهديد وإرهاب الأطفال، "فهذه المخاوف يمكن أن تكون مؤقتة وبسيطة، لو تصرف الأهل بحكمة، ويمكن أن تستمر مع الأطفال مدى الحياة في حال أُهملت إرهاصاتها الأولى".

تشرح: "الأمر يتطلب البحث عن حلول تدريجية، بتعريض الطفل لما يخافه بشكل تدريجي، ذلك حتى يتخلص من مخاوفه، وهذا يتطلب صبر الأهل لما قد يزيد على ثلاثة أشهر".

وتنبه أبو شوارب الأهل، من محاولة  دفع الأطفال إلى حبس مشاعر الخوف داخلهم، خاصة لو كانوا ذكورًا، تحت قاعدة: "أنت راجل وعيب تخاف" الشعبية المنتشرة، مشددةً على أن الخوف من المشاعر الطبيعية التي يمكن أن نشعر بها جميعًا بدرجات متفاوتة، بأي عمرٍ كنا، وفي أي مكان".

وتنصح الأمهات بعدم إظهار مخاوفهن لأطفالهن، لأنهن قدوة بالنسبة لهم، ومن الطبيعي أن يخافوا مما تخاف منه أمهاتهم. تستدرك: "من المهم متابعة المحتوى الذي يتعرض له أطفالنا، ما إذا كان مفيدًا أو ضارًا، وهل هو مناسب لأعمارهم؟ ثم لا بد من الانتباه لأي تغير يمكن أن يطرأ على شخصياتهم أو سلوكياتهم، لأن هذه التغيرات يمكن أن تكون مؤشرًا لمشكلةٍ ما يمرون بها، وبحاجة للتدخل".

وترى أبو شوارب أن الأهل يجب أن يتعاملوا بشكل طبيعي مع هذه المخاوف، "وعدم تجاهلها من منطلق التفكير بأن الطفل طبيعي يخاف، وبكرة بيبطل"، ملفتةً إلى أهمية عدم التطرف في محاولة العلاج "باستخدام العنف (..) المهم هنا هو توعية الأطفال تجاه ما يشاهدونه، وإيجاد إجاباتٍ منطقية لأسئلتهم".