قطاع غزة | نوى:
"ليس السرطان من يمكن أن يُضعفنا هنا.. فالظروف تمعن في قتلنا أكثر"، قالتها امرأةٌ مصابة بسرطان الثدي منذ نحو عام. تعيش آلام المرض، وتترقب مخاض الحياة لعلّها تنجب "زنبقة أمل" بعد اختبارٍ قاسٍ تعايشه في بلادٍ محتلة، ومنطقةٍ محاصرة منذ ١٦ عامًا.
هبة خضر (37 عامًا)، هي ربة منزل، وأمٌ لأربعة أطفال، تعيش في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة برفقة زوجها الذي يعمل مراسلًا لإحدى المؤسسات الرياضية "حين الحاجة" وفق قولها.
بدأت الحكاية، عندما أحسّت ذات يومٍ بألمٍ أصاب ظهرها حتى لم تعد قادرةً على السير! فراحت تداوي نفسها بالمسكنات، وزيارة بعض العيادات القريبة، أما التشخيص الأولي فلم يتعدَّ حدود "الطمأنينة" عندما انحصر بالحديث عن "شد عضل، لفحة، أنت بحاجة إلى عملية".
السبب الحقيقي لذلك الوجع غير المحتمل، عرفته السيدة عندما طلب أحد الأطباء إجراء بعض الفحوصات التي أجَلتها "تكاسلًا" على حد تعبيرها، "أو ربما لعدم قدرتي الاقتصادية على مجاراة الأطباء بكل ما يطلبونه لاعتقادها بأن النتيجة ستكون نفسها" تقول.
الطبيب الذي طلب منها التحاليل، ولما تأخرت عليه تواصل هو مع أحد أقربائها لإجبارها على إجرائه، كونه كان يمتلك شبه يقينٍ بأن الأمر خطير.. "لحقوا هبة" هذا ما قاله حرفيًا.
تخبرنا هبة بأن هذه الكلمات هي التي دفعت للاهتمام بها، حتى أكدت التحاليل ما ظنّه الطبيب، "هبة مصابة بسرطان الثدي"! تعلق: "كانت صدمة، لم أتوقع ذلك أبدًا، فأنا لم أشعر بأي ألم في صدري، ولم تظهر علي أعراض الإصابة بهذا المرض حتى".
قبل ذلك، وبينما كان من المفترض أن تُرضع هبة طفلتها الصغيرة، كانت الطفلة ترفض ذلك باستمرار، حتى فطمت نفسها عن حليب أمها، بل كانت والدة هبة تدفعها لمحاولة إرضاعها -رغمًا عنها- وعدم الاستسلام للأمر، لكنها لم تقوَ على ذلك، "وعندما اكتشفت المرض عرفت السبب، وكانت بمثابة صدمة" تعقب بأسى.
سألناها: "ما أول شيءٍ خطر ببالك حين عرفتِ بالإصابة؟ سؤالٌ ردّت عليه بنبرةٍ قوية: "بدي أعيش، بدي أعيش، بدي أشوف أولادي بيكبروا معي"، مشيرةً إلى أن أولادها تأثروا بما أصابها كثيرًا، "كانوا ينظّفون المنزل عني، ويساعدونني بكل ما أحتاج إليه، حتى شقيقتهم الصغرى توكلوا بأمرها (..) لقد بتُ أشعر بأنني حمل ثقيل عليهم".
لم يكُف الأطفال عن المحاولة عن التنفيس عن أمهم في فترة تعبها، أول ما يسألون عنه بعد عودتهم من مدرستهم: "كيف صحتك ماما؟ هل أخذت الدواء؟ ماذا تحبين أن نطعمك اليوم؟ سوف نطهو لك". حتى هلال فترة سفرها إلى مستشفى المطلع بمدينة القدس، كانوا يجتمعون أمامة شاشة الهاتف، يحدثونها ويبعثون إليها بالدعوات التي كانت تنعش قلبها -حسب تعبيرها.
وبالطبع، فإن رحلة هبة العلاجية إلى مستشفى المطلع لم تكن سهلة. فمرضى قطاع غزة المحاصرين يموتون بانتظار موافقة الاحتلال على تحويلاتهم العلاجية للمرور عبر حاجز بيت حانون "أيرز"، وتظن هذه الأم أنها محظوظة كون تحويلتها أخذت "شهرين" ضمن مرحلة الموافقة! "إنه الاحتلال" تعلق.
بين غزة والقدس، قصة أخرى حول تكاليف الأدوية التي يحتاجها المرضى، حيث تجبر هبة على شرائها بالحبة أحيانًا لسوء الوضع الاقتصادي، فتحتاج أسبوعيًا إلى ما قيمته من ١٠٠ إلى ١٥٠ شيكلًا، لا يستطيع زوجها توفيرها، لكنها تؤمن بأننا "كلنا نعاني في غزة.. الوجع مع الجماعة رحمة".
أحيانًا تهوّن قصص المرضى بتفاصيلها ما يعايشه آخرون، ففي ثناياها يتبادلون همومهم، ويحاولون رفع معنويات بعضهم، تقول هبة: "منّا المهمومة، ومنّا من تعودت وتضحك، ومنا من تعافت، نطبطب على بعضنا" لكنهم في الوقت ذاته يتحرجون من بعض الأسئلة، تحديدًا حول تساقط الشعر".
تصمت قليلًا ثم تكمل بعفويةٍ فرطة: "بيقولو: في الجرعة الثانية بينحل الشعر، لكنه بيرجع يطلع أحلى وأنعم". ثم تختم بضحكةٍ كأنها تحاول الطبطبة على روحها لتخبرنا: "أنا بخير. فقط ادعوا لأجلي".
