"ممارسات إسرائيل قمعية".. ماذا بعد تقرير "أمنستي"؟
تاريخ النشر : 2022-02-02 17:45

غزة:

بعد كل مرةٍ يصدُر فيها تقريرٌ دوليٌ جديد، يدين ممارسات الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي الفلسطينية، وضد أبناء الشعب الفلسطيني، يتساءل الفلسطينيون "بنبرة يائسٍ"، عن ما إذا كان العدل سيجد طريقه إليهم أخيرًا. اليوم أعادوا طرح السؤال بصوتٍ حملَ بعض الأمل، بعد صدور تقرير منظمة العفو الدولية "أمنستي" أمس، ووصفه بـ "التقرير الأكثر جرأة وشمولية".

التقرير الذي جاء في (211) صفحة، ناقش كل جزئية تتعلق بممارسات الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني منذ تهجيره عام 1948م حتى الآن، ليتضمن في أبرز محاوره: قمع الفلسطينيين، والهيمنة على حياتهم اليومية، والحكم العسكري الذي يعيشون تحت سطوته، وعرقلة الحياة الأسرية، والقيود على حرية الحركة، وحصار قطاع غزة، ونزع الملكيات، ومصادرة الأراضي، والمعاملة القاسية للأسرى، وأوضاع اللاجئين الفلسطينيين أيضًا.

"أمنستي"، وعقب عرض تقريرها، بثت فيلمًا وثائقيًا استضافت خلاله كبير الباحثين، والمستشار في شؤون السياسيات بالمنظمة فل لوثر، فقال: "نظام الفصل العنصري هو قمع الدولة الإسرائيلية للفلسطينيين، وهيمنتها عليهم بصورة يومية، وهي القوانين والسياسات والممارسات التي صُمّمت ونُفّذت للسيطرة على حياتهم اليومية، ثم تأتي جرائم الفصل العنصري، وهي الأفعال والانتهاكات بأنماطها المختلفة، التي ترتكبها إسرائيل من أجل إنشاء نظام الفصل العنصري والإبقاء عليه"، مشيرًا إلى وجود نقاشٍ متزايد حول ماذا إذا كانت الحالة في "إسرائيل" والأراضي الفلسطينية، هي نظام فصل عنصري.

وأضاف: "حان الوقت كي تطرح منظمتنا بصفتها أكبر منظمة لحقوق الإنسان في العالم، تحليلها الخاص، ونتائجه، وانتقاداته، غير الموجّهة للشعب اليهودي، بل للحكومة الإسرائيلية، التي تصمم السياسات، وتنفذ القوانين والممارسات التي تقمع الفلسطينيين".

فلسطينيًا، توالت ردود الفعل المرحبة بالتقرير من قبل جميع الفصائل، ومن الحكومة الفلسطينية. وزير العدل الفلسطيني محمد الشلالدة قال في تصريح لوكالة الأنباء الرسمية "وفا": "التقرير يعطي المحكمة الجنائية الدولية صلاحية النظر في جريمة الفصل العنصري، كجريمةٍ ضد الإنسانية تُرتكب ضد الشعب الفلسطيني بشكل ممنهج "، مضيفًا: "دولة فلسطين ترحب بالتقرير، وتثمن عاليًا المعنى القانوني له، وتدعو البرلمانات العربية إلى اتخاذ قرارات حول تصنيف (إسرائيل) دولة فصلٍ عنصر"ي.

وزير العدل شالدة يدعو أمنستي إلى إرسال بعثات ومحققين وحملة تقصي حقائق، للوقوف على انتهاكات حقوق الإنسان

ودعا (أمنستي) إلى إرسال بعثات ومحققين وحملة تقصي حقائق، للوقوف على انتهاكات حقوق الإنسان التي يتعرض لها المدنيون، والأسرى، والأسرى المرضى، والأسرى الإداريين أيضًا.

عصام يونس، مدير مركز  الميزان لحقوق الإنسان، قال: "إن التقرير مهم لثلاثة أسباب، أولها أنه صادر عن منظمة حقوقية كبرى تحظى بمصداقية عالية، وثانيًا أنه يكشف حقائق سبق وأن وثقتها منظمات حقوقية أخرى مثل هيومان رايتس ووتش، وبتسيلم الإسرائيلية، والميزان، حول ممارسات تنطوي على التمييز العنصري، من حصار، واستيطان، ومصادرة أراضي، وهو تقرير شامل وموضوعي يتضمن تحليلًا موضوعيًا وفق الأصول".

يونس: نحن أمام مفترق طرق تاريخي، وعلينا أن نعي ذلك جيدًا ونوظّف كل إمكانياتنا بصفتنا ضحايا نمتلك المشروعية القانونية والأخلاقية والسياسية

ويرى يونس في التقرير، وثيقة قانونية سياسية، فيها دعوة لأخذ خطوة أخرى من أجل مواجهة الفصل العنصري، كونها جريمة خطيرة بموجب ميثاق روما، كما أنه يطالب بإنهاء كل أشكال التمييز، وفيه مطالبات بخطوات تقترب من تفكيك هذا النظام القائم على العنصرية، ملفتًا إلى أنه جاء في توقيتٍ شديد الأهمية، "تشهد فيه فلسطين محاولات لتشريد أهالي النقب، ومصادرة أراضي القدس وغيرها من المدن الفلسطينية".

"نحن أمام مفترق طرق تاريخي، وعلينا أن نعي ذلك جيدًا ونوظّف كل إمكانياتنا بصفتنا ضحايا نمتلك المشروعية القانونية والأخلاقية والسياسية" يكمل يونس، مشددًا على أهمية تعظيم الاشتباك القانوني، وإظهار حقيقة ما يحدث في فلسطين التي تغيب فيها العدالة.

ويزيد: "هناك من ذهب إلى أن ما يحدث هنا أخطر مما حدث في جنوب أفريقيا، بالتالي لقد وفر هذا التقرير هوامش من أجل دفع القضية نحو مؤسسات الأمم المتحدة، وكل الفضاءات القانونية، بما فيها الجنائية الدولية"، داعيًا "الأجسام الدولية" إلى أخذ أدوار جدية لملاحقة "إسرائيل".

الاتحاد الأوروبي بدوره رحب بالتقرير وكرر موقفه الرافض للاستيطان، لكن يونس يرى ذلك غير كافٍ، "فالحقائق على الأرض وقحة، وعليه أن يتخذ فعلًا تجاه الجرائم التي تُرتكب، بإنهاء الفصل العنصري عبر خطوات جدية وليس بالشعارات (..) الوقت يمضي، والاستيطان مستمر، والمطلوب عدم التساهل مع هذه الحقائق" يستدرك.

ولم يبد يونس أي مفاجأة تجاه وصف "إسرائيل" للتقرير بأنه "معادٍ للسامية"، قائلًا: "هذه التصريحات متوقعة، وقد سبقتها حملات التشويه لمؤسسات حقوق الإنسان، بهدف نزع المشروعية عنها، وتجفيف منابع التمويل". ووفقًا ليونس، فقد جنّدت "إسرائيل" التمويل لمحاربتها، بتهمة معاداة السامية، التي تعد اتهامًا خطيرًا لا تقبله أوروبا، "وهنا على الفلسطينيين القيام بعملٍ واسعٍ لتقويض هذا المفهوم".

يعقب: "إن التنسيق مستمر مع المؤسسات الرسمية للسلطة الفلسطينية، من أجل المُضيّ قدمًا في هذا الملف، فطريق العدالة لا يأتي بضربةٍ واحدة".

عودة: علينا التذكير بأن السياق العام لهذه الجريمة هو الاستعمار، لأن الخطر في عدم التركيز على هذ النقطة بأن يذهب البعض إلى فكرة الدولة الديمقراطية لجميع المواطنين

المحللة السياسية نور عودة، قالت: "التقرير مهم من الناحيتين السياسية والقانونية، فالفصل العنصري هو مصطلح قانوني، وهذا يشكل ضغطًا على المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية، الذي يفترض أنه باشر في التحقيق بجرائم حرب ترتكبها دولة الاحتلال في فلسطين، كي يضم إليها أيضًا جريمة الفصل العنصري، وهي جريمة كبرة بموجب ميثاق روما، والقانون الدولي الإنساني".

وتابعت: "إن التقرير نوعي كونه تحدث عن سياسات إسرائيل تجاه اللاجئين الفلسطينيين، ونحن منذ 20 عامًا نقول إن ما يجري هو فصلٌ عنصري، لكن الآن الواقع تغير، وعلينا استثمار هذا التغيير في نظرة مجتمع حقوق الإنسان، وهذا يحتاج إلى موقف فلسطيني صلب ومتماسك وموحد"، مردفةً بالقول: "ثانيًا، علينا التذكير بأن السياق العام لهذه الجريمة هو الاستعمار، لأن الخطر في عدم التركيز على هذ النقطة بأن يذهب البعض إلى فكرة الدولة الديمقراطية لجميع المواطنين، دون التطرق إلى حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني".

وهذا يحتاج –حسب عودة- إلى انتباهٍ فلسطيني، وموقفٍ موحدٍ ومتماسك لا يمكن أن ينتج عن الحالة السياسية الموجودة حاليًا في ظل الانقسام والتفرّد، "فلو كان الموقف موحدًا، ستكون القدرة على التحرك أفضل".

وعن موقف الاتحاد الأوروبي قالت عودة: "من الصعب عليه الطعن في التقرير كونه يعتمد تقارير أمنستي عند الحديث عن الكثير من الجرائم حول العالم، أما عن مواقفه فهذا يعود للاستعداد السياسي لمواجهة دولة الاحتلال، وهذا غير موجود للأسف ويتطلب الكثير من الضغط من قبل المنظمات الدولية والصديقة للشعب الفلسطيني".

وختمت عودة بدعوتها القيادات الفلسطينية إلى السعي الجاد لإنهاء الانقسام، ضمانًا لحراكٍ موحد في اتجاه مناصرة القضية الفلسطينية، "بخطوات مبنية على علمٍ وخبرة"، داعيةً منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية إلى اختيار أهدافها بدقة لتحقيق الضغط الشعبي الذي يمكن أن يشكل اختراقًا لمواقف بعض الدول.