الفرح بالتأكيد هو ذلك الآتي من مصر غامراً يستوعب الكيان ويهز المشاعر ويدمع العيون ويحيي الأمل عفياً ندياً على أقصى اتساعه، ويلف بعباءته المزهرة كل الناس في كل ارض الوطن العربي.
يصعب الى درجة الاستعصاء كتابة مقال واحد عما جرى في مصر يحيط ولو بجزء مما تتوج في الأيام الثلاثة المجيدة.
المخرج البديل هو كتابة ومضات من نور وفرح أشعّت في النفس من مجريات هذه الأيام وإنجازاتها المبهرة.
* صديقة عزيزة ظلت في احلك الأيام، وحتى عندما كان الخوف يتسلل الى نفوس بعضنا، ثابتة على قناعتها واثقة ان أيام الإخوان في الحكم لن تطول وان الشعب المصري بالذات سيفعلها.
وقد فعلها فعلا، فلها التحية.
* في 23/2/2012 نشر لي في "الأيام" مقال تحت عنوان "شكوك جادة حول مرحلة الإسلام السياسي" جاء في إحدى فقراته: "تصور الكثيرون منا أننا نعيش بداية مرحلة زمنية يسود فيها تيار الإسلام السياسي وقيمه وقوانينه... وان سيادته ستطول على اكثر من جيل ....".
وفي فقرة لاحقة "لكن هذا التصور تغير بنسبة كبيرة، واصبح هناك شكوك جادة وقوية تحيط به وتضع علامات استفهام كبيرة حول امكانية تحققه. وحصل التغير خلال زمن قصير جدا وقبل ان يستقر الحكم تماما لقوى هذا التيار.... ."
لم يكن ذلك القول تنجيما في الغيب ولا أمنيات، لكنه كان صادرا عن رؤية موضوعية للمشهد المصري وممارسات الإخوان في الحكم وتناقضها حتى الإلغاء مع طبيعة الشعب المصري وتجذر الوطنية والكرامة والتدين الوسطي في عمق نسيجه الاجتماعي، ممزوجة بعادات وتقاليد شعبية ونهج حياة مميز تضرب عميقا في ذلك المجتمع، وكل ذلك مترافقا مع قدرة مختزنة ومجربة على الفعل، وعلى كل المستويات.
* وكأن الشعب المصري بكل فئاته وأطيافه وأعماره كان معبأ ومستعداً وجاهزا للانطلاق وينتظر فقط الإشارة.
وحين أطلقت حركة تمرد تلك الإشارة، محددة بوضوح شديد:
الهدف الرئيسي والبديل المقترح والوسيلة الجماهيرية السلمية، معلنة التصميم على المواصلة حتى تتحقق الأهداف والرفض المطلق للمساومات، وفاتحة ذراعيها لكل الناس الوطنيين وقواهم المنظمة بلا استثناء، الا اهل وعشيرة الرئيس، ثم حددت التاريخ .
حين فعلت ذلك هدرت ملايين الناس تملأ ساحات وشوارع كل المدن والقرى والنجوع والحواري على مساحة الوطن المصري كله .
في صورة اجمع العالم ان الإنسانية لم تشهد لها مثيل في تاريخها. فلم يشطح الخيال بأحد ان نزول الناس سيكون بهذه الأعداد ( 30 مليونا حسب اكثر من تقدير ) وبهذا الشمول والتنوع والنظام .
وكان هذا نزعا للشرعية لا لبس فيه ولا يصح الجدال حوله .
* أسباب كثيرة قالها كثيرون عن سقوط تجربة الإخوان في الحكم .
هناك سبب آخر يمكن إضافته – ربما أضافه احد قبلي ولم اطلع عليه – ان "الإخوان" حين وصلوا الى السلطة لم يقدّروا قيمة الشعب الذي اصبحوا يحكمونه وعمق جذوره وغنى تاريخه واتساع وتنوع تجربته وتغلغل تدينه الوسطي وتأصل عاداته ومتانة نسيجه الاجتماعي. ولم يعرفوا قدر البلد التي اصبحوا قادته ودوره التاريخي المؤثر الممتد بعيدا خارج حدوده .
لقد اخلت الوطنية والايمان بالدولة الوطنية مكانها في فكرهم لصالح اممية هائمة ودولة خلافة مستحيلة عابرة للقوميات وللاوطان .
واعجبني جدا تفسير للمخرج المبدع خالد يوسف عندما اعتبر دفاع الناس عن كرامتهم حين تيقنوا ان الرئيس وعشيرته وعبر مسلكيتهم العامة على مدار عام يهينونها ويحطون من قيمتها ويقللون من قدرة الناس على الفهم والإدراك ومن قدرتهم على الفعل والتأثير، اعتبرها من الأسباب الهامة لخروج الناس بالشكل الذي حصل.
* يحسب لصالح الإخوان ويسجل في ميزان حسناتهم، قدرتهم الفذة على تجميع وتوحيد كل الناس بكل أطيافهم وقواهم ضدهم وضد حكمهم، باستثناء الاهل والعشيرة.
وحدها القدرة الفذة تستطيع تجمع كل القوى والتنظيمات السياسية والاهلية، وبالذات المثقفين على اختلاف مجالات ابداعهم، على قلب رجل واحد، وتجمعهم كلهم الى الازهر والكنيسة والجيش والشرط والقضاء في كل واحد يتجه الى هدف واحد .
* رغم وفاته منذ اكثر من أربعين عاما، فان اسم وصورة جمال عبد الناصر لم يغيبا عن الحراك الشعبي منذ يومه الأول في 25 يناير.
ظلت الناس تستذكره وتستعيد مواقف مجيدة له كلما احتاجت الى المقارنة او الى شحذ الهمم .
بقدر ما ينبئ ذلك عن وفاء، وعن تجذر عبد الناصر وتجربته في وجدان الشعب المصري
( وكذلك العربي)، بالذات في مجالي العدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية، فانه يخرس كل التخرصات والتلميحات الموتورة من جماعة الإخوان وأجهزتهم .
* ما حدث في مصر سيجد صداه وتأثيره قويا في كل المنطقة العربية وعلى كل مجريات الأحداث فيها وعلى خط سيرها واتجاهها، وان المنطقة كلها، وجوارها الإقليمي أيضا، مقبلة على تغيرات إيجابية هامة.
الأكيد، ان تجربة هيمنة قوى التيار الإسلامي على الحكم في المنطقة قد وضعت على سكة النهاية، وان ذلك تم بسرعة اكثر بكثير مما تنبأ المتنبئون او راهن المراهنون.
وبعض الفضل في ذلك يذهب الى رعونة جماعة الإخوان المسلمين في مصر وقصر نظرها وضعف بصيرتها.
ويا مصر لك الخير، لك الأمن والأمان، لك العز والرأس المرفوعة عاليا، لك الأمل المزهر والمستقبل الباهر.
ومضات فرح من أرض الفرح
تاريخ النشر : 2013-07-06 16:44
