زوجات الأسرى.. أرواحٌ منهَكَة خلف ابتسامات البطولة
تاريخ النشر : 2021-11-07 08:18

رام الله/ شبكة نوى- فلسطينيات:

عدة أشهر مرّت على اعتقال زوج الشابة إسلام العمارنة من مخيم قلنديا شمال مدينة القدس، لكنها اليوم تعاني ظروفًا نفسيةً صعبة، إذ تستيقظ من نومها فزِعة بعد أن تنتابها هواجس تعرّضها هي أيضًا للاعتقال.

توضح العمارنة أن قوات الاحتلال اعتقلت زوجها "أسامة حماد" بعد اقتحامٍ عنيف للمنزل في شهر رمضان الفائت، "حتى أنهم منعوني من توديعه" تقول.

العمارنة: أحتاج فقط إلى أن يسمعني أحد ويشجعني على المواصلة دون خوف

تسكن إسلام مع طفلتها التي احتفلت بعيد ميلادها الأول في غياب والدها، وتصف لـ"نوى" ما تمر به بالقول: "إنها التجربة الأكثر صعوبة في حياتي، فلأسابيع طويلة ظلّ شعور الخوف يرافقني خشية اقتحام الاحتلال المنزل مرة أخرى".

وتضيف: "في أحيان كثيرة أحتاج فقط إلى أن يسمعني أحد، ويشجعني على مواصلة الحياة دون خوف (..) عندما أنشر صورة لزوجي الأسير عبر مواقع التواصل الاجتماعي ألمس تفاعل معارفي، حينها فقط أشعر أنني لست وحيدة".

ولم تحصل إسلام على أي دعم نفسي نتيجة تعرضها لـ "صدمة الاعتقال"، لا من قبل المؤسسات الحكومية ولا الأهلية، ولم تتلقَ "حتى مجرد اتصال هاتفي للسؤال عن حالها"، كما تؤكد.

أكثر من ألفَي زوجة

ويُقدّر عدد الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي بنحو 5300 أسير وأسيرة، وفق بيانات هيئة شؤون الأسرى التي تفيد بأن نسبّة المتزوجين منهم بين 35-40%، أي أن هناك نحو 2000 عائلة فقدت عمودًا من أعمدتها، و2000 امرأة يعانين من آثار اعتقال أزواجهن النفسيّة، كالشعور بالوحدة والاكتئاب والضغط النفسي.

تقول فيحاء شلش، زوجة الأسير المحرر محمد القيق من محافظة الخليل: "إنَّ ما يحدث مع عائلات الأسرى ليس مجرد تقصير، وإنمّا تجاهل تام غالبًا، فالزوجة والأم بحاجة لدعم نفسي عاجل فور حدوث الاعتقال".

وتمنت "مثلًا" لو توفّرت مخيمات صيفية لأطفالها خلال فترة اعتقال زوجها المتكررة، "فالأم تكون في حالة صعبة وبحاجة إلى المساندة والمساعدة، في مهمة تربية وتوجيه الأطفال".

شلش: ما يحدث مع زوجات الأسرى "تجاهل" فغياب الزوج يرهقها نفسيًا ويكسرها فعليًا من من الداخل

وتشدد شلش لـ"نوى"، على أن غياب الزوج "يرهق زوجة الأسير نفسيًا، فتصبح منكسرة فعليًا من الداخل (..) قبل اعتقال زوجي كنا نتشارك مهمات الحياة، وبعدها أصبح كل شيء ملقى على عاتقي، من مسؤولية الأطفال، إلى دفع الفواتير، ومتابعة شؤون العائلة، بالإضافة إلى المتابعة مع المحامين، وتنسيق الزيارات، وإصدار الأوراق الرسمية"، مردفةً: "ولهذا تشعر الزوجة نفسها وحيدة أمام مسؤوليات كبيرة لم تكن تتحملها في ظل وجود زوجها معها".

حدث صادم

وترى المسؤولة بنادي الأسير الفلسطيني أماني سراحنة، أنَّ ضعف توفر الدعم النفسي تتحمل مسؤوليته المؤسسات الرسمية والأهلية عامة، لكنها تلفت إلى أن الكثير من العائلات لا توافق على إخضاع زوجة الأسير لهذا لدعم، رغم حاجتها إليه.

وتقول لـ"نوى": "في أحيان كثيرة تُصوَّر زوجة الأسير على أنها عنصر قوة (..) لست مع تفكيك هذه الصورة، فنحن بحاجّة إليها، ولكنّها تترك آثارًا كبيرة على نفسيتها إذا لم يُفرغ القهر النفسي الذي يتراكم بداخل نفسيتها، ناهيك عن المشكلات المالية والحياتية التي غالبًا ما تواجهها زوجة الأسير بعد اعتقال زوجها".

وتعرّف الأخصائية النفسيّة سهير الجعبة الاعتقال بأنه "الحدث المؤلم والصادم المتمثل بفقدان شخص رئيسي، هو الحامي ومصدر الأمان".

أخصائية نفسية: تعاني زوجات الأسرى غالبًا من تأثيرات نفسية واجتماعية وجسدية تتحول إلى أعراض سلوكيّة

وحسب حديث الجعبة لـ"نوى"، تعاني زوجات وعائلات الأسرى في كثير من الأحيان من أعراضٍ نفسية واجتماعية وجسدية تؤثر عليهن نتيجة هذا الاعتقال، وتتحول تلك التأثيرات إلى أعراض سلوكيّة.

وتوضح أن أفراد العائلة عادةً ما يرتبطون مع بعضهم بعلاقات عاطفية ونفسيّة، تنشأ من حاجتهم للحماية والأمن، "وإذا اختفت هذه العلاقة فجأة، يؤثر ذلك على علاقة الأبناء بأقرانهم، وعلى طباع الأمهات، إذ يصبحن أكثر حدّة وعصبية".

خدمة متعثرة

وخلال البحث عن برامج توفرها المؤسسات المختصة لأهالي الأسرى، وجدنا أن هيئة شؤون الأسرى استحدثت خدمة الإرشاد النفسي والاجتماعي مطلع عام 1997م، بافتتاح قسم الإرشاد النفسي في مديرية الخليل، وفي عام 1998م تم تعيين مرشد نفسي في مديريات المحافظات كافة.

هيئة شؤون الأسرى استحدثت خدمة الإرشاد النفسي والاجتماعي مطلع عام 1997م، وتعطلت عام 2004 لتوقف التمويل الدولي

وقدمت هذه الدائرة فعلًا خدمة الإرشاد بتمويل من مؤسسات دولية، كـ"يونسيف"، و"أطباء بلا حدود"، واستمر نشاطها حتى توقف تمويل المانحين لهذه البرامج عام 2004م.

ويؤكد مدير هيئة شؤون الأسرى والمحررين إبراهيم نجاجرة، أهمية خدمة الدعم النفسيّ للمجتمع بشكل عام، ولأهالي الأسرى وزوجاتهم على وجه الخصوص، "لكنّها بحاجة لكوادر بشرية مدرّبة وحاصلة على تأهيل علمي، وخبرة في المجال".

ويوضح نجاجرة لـ"نوى"، أنّ هذه الخدمة مدرجة ضمن برامج الهيئة، "لكنها غير فعّالة في أغلب المديريات بسبب نقص الكوادر المهنية وعدم تفرُّغ الموجودين لها"، مشيرًا في الوقت ذاته إلى حاجة هذه البرامج إلى إمكانيات مادية غير متوفرة في المؤسسات الحكومية.

لا يوجد خطة

من ناحيته، يؤكد الأسير المحرر والناشط في قضايا حقوق الأسرى عبد الفتاح دولة، قصور الجهات الرسميّة عن دعم عائلات الأسرى، "فلا يوجد لديها أي مشروع أو خطة".

دولة: الجهات الرسمية مقصرة (..) والمخيمات والورش ذات المضمون الإرشادي والنفسي وتشجيع ذوي الأسرى للانضمام إليها تفي بالغرض

ويقترح في حديث لـ"نوى"، إقامة مخيمات وورش في مضمونها دعم وإرشاد نفسي ولكن بمسميات مختلفة، لتشجيع أهالي الأسرى على الانضمام إليها، مستدركًا: "حتى إذا تكلمنا عن مخيمات صيفية لأطفال الأسرى، نجد أنها غير موجودة".

ويصف دولة العمل المنوط بمؤسسات الأسرى بـ"الضخم"، نظرًا للحالة الفلسطينية، وما يتخللها من اعتقالات يومية، مؤكدًا أن جهة واحدة لا تستطيع أداء هذه المهمة وحدها، "وهذا القطاع يحتاج للتشبيك بين المؤسسات الحكومية والأهلية، لتوفير خطة حقوقية وإرشادية كاملة".

بدوره، يؤكد مدير عام برنامج تأهيل الأسرى والمحررين في هيئة شؤون الأسرى، محمد البطة، عدم توفر طاقم إرشاد نفسي يغطي عمل مديريات تأهيل الأسرى في المحافظات.

البطة: الاستشارات والدعم النفسيّ ليسا بحاجة إلى تمويل، هذه خدمة إرشادية لا تتطلب معدّات وأدوات

ويضيف: "إن الاستشارات والدعم النفسيّ ليسا بحاجة إلى تمويل، هذه خدمة إرشادية لا تتطلب معدّات وأدوات"، ملفتًا إلى وجود اتفاقيات مع مؤسسات المجتمع المدني، تتضمن تحويل الحالات التي تتطلب علاجًا إلى جهات مختصة. لأن "ما تقدمة الهيئة جانب إرشادي بسيط ومحدود".

وعند سؤاله عن المستفيدين من هذه الخدمة، أجاب: "تقتصر على حالات محددة، كالأطفال الذين يعانون من آثار نفسية صعبة تتطلب تحويلهم إلى علاج طبي".