قطاع غزة | نوى:
"بدأت الحفلة".. كلمتان اتفق عليهما الناس كتعليقٍ رسمي لدى سماعهم صوت أول صاروخٍ ينزل من السماء ليهشّم سكون غزة.
حين يضج الليل بنور الصواريخ ونارها، في ظل انقطاع الكهرباء، يتهكّم الفلسطينيون هنا على واقعهم، ويسمون "موتًا" قد يلاقونه في أية لحظة بـ "الحفلة".
لكن لماذا "حفلة"؟ لأن ظاهرها يبدو كذلك. حين يحتفل الاحتلال بـ"إنجازه" وهو يضرب عُمق أماننا، ويروع قلوبنا بقذائفه وصواريخه، حينها فقط يرى انتصاره! يخرج وهو يلوك دماء أطفالنا وينثر فتات منازلنا ويعرض صور دموعنا.. "هي حفلة فعلًا.. لكن على أنقاضنا نحن" تقول سناء عاشور.
"الماما سناء"، لديها طفلة واحدة اسمها ليان، ما إن تقرأ عن توتر في أجواء غزة، أو تسمع صوت طائرات حربية، حتى تبدأ الاستعداد نفسياً لـ "انطلاق الحفلة"، بل وتهيئ طفلتها كذلك. في التفاصيل، كالعادة تعمل سناء على إقناع طفلتها بأن ما يجري الآن هو "حفلة"، لكن الطفلة لم تعد تبتلع "هذه الحجة السمجة"، فتردُّ على أمها: "يا ماما أنا كبرت، وبعرف أنه هذا قصف، وإنتي خايفة، بس بتحاولي تهدّيني".
يتدخل الأب لتلطيف الأجواء المشحونة التي تستمر حتى ساعات الفجر الأولى في بعض الأحيان، يهمّشون أصوات القصف، ويشاهدون فيلمًا مناسبًا، أو يفردون أوراق اللعب (الشدة).
يقول: "ابنتي أغلى ما أملك، لا يمكنني الهجرة من هنا، لكنني أحاول قدر المستطاع تربية نفسيتها بشكل سليم برغم كل الظروف المحيطة".
في منزلٍ آخر يبدو المشهد مختلفًا، تنقلب الأمور إلى لحظات فكاهية تجمع العائلة ببعضها البعض، تحت أصوات القصف. يجتمع محمد حجازي بزوجته وأطفاله في غرفةٍ واحدة، يرون فيها "الأمان" عن أطراف البيت وغرفه، ويت
"رايحة بتضرب، راجعة بتضرب" يتحدث محمد عن طائرات الاحتلال التي تطلق صواريخها بالقرب من منطقة سكنه في شمال قطاع غزّة، حتى اعتقدت العائلة أنها تعايشت مع الأمر وباتت تقيم فعاليات موازية، عند كل ليلة قصف.
في العدوان وفي جولات التصعيد، تشهد منطقة شمال القطاع وتحديدًا ما يعرف بـ "السفينة" ضربات مستمرة على مواقع تتبع لفصائل المقاومة، لكن الناس هناك هل تعايشت مع الأمر فعلاً؟
يخبرنا محمد أنهم يتناسون الأمر، بتشغيل الموسيقى أحيانًا، ومتابعة مواقع التواصل الاجتماعي في أحيان أخرى "حتى أننا قد نجد ونسًا هناك، نعبر مع أصدقائنا عن سخريتنا، ونلتقي افتراضيًا، نتبادل الأحاديث والنكات ونحاول تناسي ما نعيشه من رعب وألم".
وفي الليلة المتوقع حدوث القصف فيها، تجهز زوجة محمد بعض المسليات، أو تعدُّ طعامًا "مختلفًا" للعشاء، من أجل تشتيت أطفالها الأربعة.
وتسمح سمر لأطفالها باللعب على هواتفهم النقالة، بشرط عدم فتح مواقع التواصل الاجتماعي. "أمورٌهي ممنوعة في الأيام العادية في مثل هذه الأوقات، لكن القصف يستدعي ذلك حتى تحولت الطقوس بمنزلنا إلى حفلة فعلاً!" تعلق.
سناء عوني هي أم وجدّة، تبلغ من العمر 67 عامًا. تستغرب "التعايش" مع العدوان أو القصف، حتى لو كان هذا التعايش كاذبًا.
تقول: "أشعر بالطائرة تمرّ من فوق رأسي، وترمي بثقل صوتها في قلبي، تُسقط صواريخها فتسقط روحي، وكأن القذائف تمثل بجسدي".
"ليست حفلة، وإنما هي جريمة" تقول، لكنها تتفق حول إمكانية تسميتها بذلك "من قبل الاحتلال"، الذي لا يوفر أدنى فرصة للاحتفاء بقتل الفلسطينيين.
وتنتقد العيش في غزّة المحاصرة، قائلة "موال غزة تحت القصف كل يومين مرهق نفسيًا ومرعب، أكره الخروج حتى للتنزه خوفًا من سيناريو قصف هنا أو هناك".
