أعلامٌ سوداء.. ومأتمٌ للفرح في بحر غزة
تاريخ النشر : 2021-08-10 14:34

شبكة نوى | قطاع غزة:

"هل يمل القرّاء من سماع قصصنا عن البحر؟"، أسألُ نفسي كلما هممتُ بالكتابة عن "بحر غزّة". عن نفسي لا أمَلّ.

أكتبُ وأخبّئ القصاصات في جيب ذاكرتي مع صورةٍ ألتِقطها من استراحةٍ قريبة. أحاول فهم تلك "الملحمة" في عشق لون البحر وهديره. وأحاول أن أنصت لصوت أنينه وهو يبتلع من بين حكايا زوّاره "أوجاع الحصار".

علَمٌ أسود ينذر بالخطر، كان سيهمُّ النّاس في بلد آخر، لكن وجوده وعدمه هنا واحد. المثير ليس عدم اكتراثهم بالعلم، بل سباحة بعض الأطفال في نفس المربّع! بعضهم كانوا يحاولون التشبّث في الرمال بينما الموج يسحب أجسادهم إلى الداخل، لولا سترُ الله.

"كيف تسبحين أنت وأبناءك في منطقة ملوثة؟" سألتُ أمًّا في ميناء "السلام أبو حصيرة" بطريقةٍ عفوية. "هذه المنطقة مصنفة بأنها ملوثة، إنها خطرة" أكملتُ بانفعال، لتجيبني وهي تبتسم: "هل لديكِ خيارٌ آخر؟".

اسمها أمل، كانت تسبح على الشاطئ وتتأمل أطفالها الذين يتبادلون الضحكات بصوتٍ لافتٍ وهم يسبحون. تتأمل وتكمل حديثها معي: "هل كثيرٌ علينا أن نفرح بعد كل ما نعيشه هنا؟ نحن المنسيون المحاصرون تحت ضربات الصواريخ، المختنقون بقبضة الحصار، نحن الذين نستغرب ساعات الفرح في حياتنا، ونخشى يومًا نضحك فيه كثيرًا، من أن ينقلب فورق رؤوسنا "غمًا"".

قبل نحو شهرين، أنذرت بلديات قطاع غزّة، السكان، بضرورة الانتباه إلى المناطق الممنوع السباحة فيها بسبب تسرب المياه العادمة نحو بيوت المواطنين، والطرق الرئيسية، وعلى إثر ذلك انتشرت بعض الأمراض الجلدية والمعوية بين المواطنين، وهو ما دفع إلى اتخاذ قرار ضخ هذه المياه نحو البحر.

ويأتي هذا "الخيار الأخير"، بسبب تدمير الاحتلال الإسرائيلي للبنية التحتية وخطوط نقل المياه وشبكات الصرف الصحي خلال العدوان الأخير على القطاع في مايو/ آيار، ما تسبب بخسائر قُدّرت بنحو مليون دولار، حيث تزامن ذلك مع وقف توريد السولار الخاص بعمل البلديات ومحطة توليد الكهرباء.

وبحسب منسق الإدارة العامة للمياه والصرف الصحي في بلدية غزة، أنور الجندي، فإن عملية ضخ مياه الصرف الصحي في البحر، حينها، من دون معالجة، كانت خيارًا صعبًا، لكن البلدية حذّرت السكان، وأشعرتهم بخطر الإصابة بأمراضٍ جلدية ومعوية، إذا ما أقدموا على ذلك.

تبدو الصورة للوهلة الأولى مرعبة. أن يلتفَّ مئات الناس في منطقةٍ خطرة للسباحة، لكنها خطوة مهمة من أجل تحسين صحتهم النفسية.

تنحصر خيارات التنزه في القطاع إلا من البحر وبعض الأماكن البسيطة، حتى أن أمجد، وهو أب آخر علق بالقول: "راضيين نمرض من تلوث البحر، ولا نموت من حر الصيف في المنازل".

ويزيد: "عرسٌ في بيتنا يوم أقول إننا سنذهب إلى البحر، ولو فكرت بالقول إنه ملوث، سيباغتونني بالصور ومقاطع الفيديو المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، التي يمكن أن تكذب الحقيقة!".

ومن المعروف حول أزمة الكهرباء التي يمر بها القطاع منذ 15 عامًا، أن المنازل تتحوّل إلى كتلة من اللهب فوق رؤوس ساكنيها، فتدفعهم للخروج فرادى وجماعات نحو البحر. هناك يبرّدون على أجسادهم، ويتبادلون الهموم مع البحر، والمصطافين الغرباء، أولئك القريبين من بعضهم في "النكد" ذاته: كهرباء، مياه، معابر، فقر، حصار، بطالة، وحروب!" حسب وصف أمجد.

ووفق دراسة أجرتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فإن 80% من سكان القطاع يقضون معظم حياتهم في الظلام الدامس، إذ لا يتوفر التيار الكهربائي إلا لمدة 10 أو 12 ساعة يوميًا في أحسن الحالات.

هذا هو الحال في بحر القطاع الأزرق المُحتلُّ المُحاصَر بأمواجه وأسماكه وميلاته، ذلك الذي يشبه أبناءه، يهوّن عليهم الألم وهو يألم.. ويخاطب برونق هديره الأوفياء المخلصين لمائه.. حتى وإن كانت ملوثة.