قطاع غزّة | نوى:
"إذا لم تشترهِ اليوم، لن تجدي مثله فيما بعد" قالها صاحب أحد المحال التجارية، لسيدةٍ وعدته بالعودة إلى محلّه لشراء فستانٍ أعجبها، بعد أن "تأخذ في السوق لفّة".
وكأن الكلام انتهى، وكأن الغريق يتمسّكُ بقشّة. الباعة يرددون ذات العبارة، وقلوبهم تخفق خشية مغادرة الزبون دون أن يشتري. في المقابل يعدهم الزبائن بعودة، وهم على يقينٍ بأن ذلك –تقريبًا- لن يحدث، فالجيب فارغٌ، والقلب تملؤه غصّة بعُمْر الحصار، وأربعة حروبٍ آخرها سقاهم المُر في مايو.
يبدو مشهد الأسواق باهتًا، لا "كسوة فرح" كتلك التي ترتديها غزة قبل كل عيد، كيف لا؟ والحرب بترت كفّ الجمال في شوارع القطاع.
حي الرمال تحديدًا، أكثر معالم القطاع شهرةً في المناسبات السعيدة.. مقصد السكان من الشمال إلى الجنوب، والبقعة المضيئة في ظلام ليل الأعياد هنا، انطفأ! "الصواريخ الإسرائيلية لم تُطفئ أنوار المكان وحسب، بل أطفأت أجواء الفرح في قلوبنا أيضًا" يُعبّر صاحب أحد المحال عن مشاعره وهو يرى سوق الرمال، مختلفًا عن ما كان عليه قبل الحرب "المهولة" تلك.
محمد الحلو (33 عامًا)، يقول: "المحل الذي أعمل فيه، تضرر جزئيًا؛ واجهَتُه تحطمت بالكامل وزجاجه تهشّم، لكن صاحبه قرر إصلاحه على حسابه الشخصي، بدلًا من انتظار إعادة الإعمار والتعويضات". يصمتُ قليلًا ثم يكمل بغصة: "كان يظن أن موسم عيد الأضحى سيعوضه الخسارة بشكلٍ أسرع.. ولكن".
ما لم يتخيله الرجل – يضيف- واقع إقبال الناس. ويكمل: "تجد الأسواق مكتظة بالمواطنين، الذين يتفرّجون على البضاعة فقط، يسألون –منعًا للإحراج- عن موعد دخول البضائع الجديدة إلى غزة، ومن هنا نعي أنهم جاءوا ليرفّهوا عن أنفسهم فقط، وأنهم لا يملكون مالًا للشراء أبدًا".
ويزيد: "وضع القطاع مأساوي. بالكاد استطاع المواطنون التقاط أنفاسهم بعد حرب مايو، زبونةٌ من بين كل 7 أو 8 زبائن تدخل محلنا بنيّة الشراء، والبقية يخرجون لتنفس بعض الهواء ورؤية الخَلق، من باب العلم بالشيء لا أكثر".
في العاشر من مايو الماضي، شوهت طائرات الاحتلال الإسرائيلية وجه غزة الجميل، بعدوانٍ واسعٍ استمر 11 يومًا، استهدفت خلاله المدنيين، وممتلكاتهم، وأسواقهم، والأعيان المدنية، ومنشآت البنية التحتية. هنا تعطّلت الحياة، وتدهورت الأوضاع الإنسانية لأكثر من مليوني فلسطيني يرزحون تحت حصارٍ عمره عقدٌ ونصف.
هيثم الشيخ، وهو صاحب بسطةٍ لملابس الأطفال في شارع عمر المختار، يتّفق مع الحلو بإجابته، سألناه عن إقبال الناس على الشراء فردّ بسخرية: "هو في حدا بيشتري هالأيام، الناس بتطلع من بيوتها زهقانة، بتقول فرصة نيجي نتفرج عالسوق".
يكمل الشاب المسؤول عن إعالة أسرته: "قبل ثلاثة أعوام فكرت وأخي بافتتاح بسطةٍ تجمعنا بعد تخرجنا من الجامعة، لا سيما وأننا لم نجد فرصة عمل في تخصصنا إدارة الأعمال"، موضحًا أنهما فكرا بالاستفادة من التخصص بمشروعٍ ما مستقبلًا.
يعمل الشابان ببيع الملابس المصنوعة محليًا، يحاولان إقناع الجمهور بجودتها، لكن الزبائن وفق هيثم يقللون من شأن المحلي.
يتابع: "هم لا يدرون أن صناعته تتم بصعوبة لعدم توفر المواد الخام بسبب الحصار"، برغم أن الحياكة تضاهي المستورد مئة مرة –وفق تعبيره -.
حال أسواق غزة واحد، أصحاب محلات تجارية يجلسون جنبًا إلى جنب أمام أبواب محالهم، يتسامرون ويترقبون مرور الزبائن بصمت، ينادي أحدهم "تفضلي، تفضل، لدينا عروضات وتخفيضات"، فإن لم يُجب أو تُجب، يصمت الباقون ويفقدون الأمل.
وائل الذي كان يبيع ملابس النساء، قبل 5 سنوات، غيّر المجال لبيع ملابس الأطفال، في محاولة للتماشي مع الواقع، "على اعتبار أن النساء والرجال باتوا يهتمون بأطفالهم أكثر من أنفسهم، لا سيما في ظل ضعف الواقع الاقتصادي وقلة المدخول (دائمًا الأطفال أولى)".
يسخر من الوضع بمثل شعبي، ويقول: "لو صرنا نبيع أكفان رح تبطل الناس تموت"، في إشارة لوضع القطاع الذي يقتل محاولات العيش بفعل الحصار والحروب والعدوان وجولات التصعيد. إنها غزّة، التي لا تقع عين العالم عليها إلا عندما تنزف.. "هنا، وهنا فقط، يلتفت إلينا العالم، أما ما دون ذلك، فلأهلها الصبر، والمحاولات" يختم وائل.
