عطشى الانفراجات بعد غصّة العقوبات
تاريخ النشر : 2021-01-26 19:49

غزة:

هل ننسى الذل هكذا ببساطة؟ أم هل ننسى كيف أُجبرنا على "التسحيج" كي لا نُبتز برواتبنا؟ هل لي أن أنسى، أنا الموظف بالسلطة الفلسطينية ويفترض أن لي راتب شهري يحميني من الفقر، كيف اشتقت لأن أسمع صوت الصرّاف الآلي يعدّ راتبي كاملاً لأستلمه بدلاً من الغصّة التي تسبب بها الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس حين فرض إجراءاته العقابية علينا – يسأل الموظّف -.

محمود حسن - اسم مستعار-، هو أب لخمسة أولاد وثلاث بنات بينهم واحدٌ في الجامعة، وآخرَيْن لم يستطيعا الالتحاق كون لا مال لدى الأب يكفي لسدّ احتياجات الأسرة إلى جانب تعليم الأبناء، بينما تغرق الأسرة بالقروض تزامناً مع تقليص الرواتب الذي جرى ضدّ موظفي السلطة الفلسطينية في غزّة عام 2017.

ثلاثة أعوام مرّت بأمرّ ما يمكن للإنسان تصوّره – يخبرنا محمود -، حين فكّر بأخذ قرض لشراء قطعة أرض والبناء عليها بدلاً من العيش بغرفتين في بيت العائلة، "أنا موظف والموظف هنا ملك!" يقول ضاحكاً ثمّ يعلّق "طبعاً كنت ملك قبل الخصم، وصرت شحّاذ بعده".

ويضيف لـ "نوى": "ليس مهم من سيحكمنا لأن لا أمان لحاكم وبالتأكيد لن نغفر لعباس ولا لحكومة غزّة ولا أي حكومة مقبلة حتى!" موضحاً أن كل ما يهمّه الآن هو أن يتقاضى راتبه كاملاً، أن يكمل بناء منزله، أن يعود أبناؤه للدراسة وأن يسدّ ديونه.

ليس مهم من سيحكمنا لأن لا أمان لحاكم وبالتأكيد لن نغفر لعباس ولا لحكومة غزّة ولا أي حكومة مقبلة حتى!

في نيسان / إبريل من العام 2017، فرضت السلطة الفلسطينية "إجراءات عقابية" على موظفيها في قطاع غزة، إذ قالت في حينها إنها "لدفعِ حركة حماس لحل اللجنة الإدارية في القطاع" وهو ما قامت به الحركة بعد عدة أشهر لكن الإجراءات استمرت رغم توقيع اتفاق مصالحة جديد برعاية مصرية في العام ذاته.

وشملت العقوبات خصم رواتب موظفي السلطة وقطع للكهرباء وإيقاف التحويلات الطبية للمرضى وتجميد نقل التحويلات المالية.

وفيما يتعلق بالرواتب خصمت السلطة ما بين 30% إلى 50% من رواتب موظفيها البالغ عددهم في قطاع غزة 62 ألف موظف/ة ( 36 ألف موظف عسكري، و26 ألف موظف مدني) بالإضافة لإحالة قرابة 14 ألف موظف مدني وعسكري إلى التقاعد المبكّر وفقًا لقيمة الراتب بعد الخصم، منهم قرابة 7 آلاف موظف يتبعون لوزارات حيوية كالصحة والتعليم.

وقلّصت السلطة بموجب العقوبات 50 ميجا وات من أصل 120 ميجا وات من الكهرباء يزود بها القطاع عبر الاحتلال تم التراجع عنها بموجب قرار من المحاكم الإسرائيلية، كما أوقفت التحويلات الطبية التي لا يتوفر لها العلاج داخل قطاع غزة إلى مشافي مصر والضفة الغربية والقدس والأراضي المحتلة والأردن، وهو ما ترتب عليه عدة حالات وفاة وتدهور بالغ في صحة العشرات.

ولم تتوقف الإجراءات إلى هنا برغم الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ العام 2006، بل اتخذت السلطة أيضاً قرارًا يقضي بإيقاف تحويل الأموال على مستوى الأفراد عبر البنوك والمصارف وتجميد سلطة النقد للتحويلات المالية والمؤسسات والجمعيات الخيرية بالإضافة لفرض ضرائب القيمة المضافة على السلع وضريبة البلو على وقود محطة تشغيل الكهرباء ليصل سعره قرابة 5.5 شيكل للتر.

وأوقفت الموازنات التشغيلية للمرافق الحكومية وأهمها المستشفيات وإغلاق بعض الأقسام واحتمالية الاضطرار لإغلاق أقسام طبية وغرف عمليات ومراكز غسيل كلى، والتأثير المباشر على أقسام الطوارئ.

هذا كلّه يمكن رفعه بشكل فوري – هكذا ببساطة – تأتي التصريحات لناطقين باسم حركة فتح، ولماذا؟ لأنه أخيراً صدر مرسوم رئاسي من الرئيس محمود عبّاس يقضي بتحديد مواعيد الانتخابات العامة القادمة (التشريعية، والرئاسية، وانتخابات المجلس الوطني) ابتداءً من أيار/ مايو المقبل، تباعاً.

سهى سعيد وهي زوجة موظّف آخر بالسلطة الفلسطينية، تقول إنه إذا ما صَدق الرئيس عباس وجرت الانتخابات بشكل حقيقي فإنها ستنتخبه مضيفة "ليس لأنه يستحق، بل لأنه أحلى الخيارات المرّة أمام الناس في غزّة!".

محمد:جيلنا راحت عليه، لن نستفيد من الانتخابات، كبرنا على الوظائف ولم يعد بالإمكان استيعابنا

وتتحدّث أنها وعلى مدار سنوات لا تنفك عن "التمجيد" بعبّاس – وفق وصفها -، عبر وسائل التواصل الاجتماعي وفي أرض الواقع كذلك، كي لا يطال أسرتها تقرير "كيدي" من هنا أو هناك إذا ما اعترضت على الإجراءات العقابية، مجبرة على ذلك لتحافظ على فتات الراتب الذي يتقاضاه زوجها.

"راحت علينا، هل الانتخابات ستعيد لي عمري الذي ضاع ضحية الانقسام؟" بأسى يتساءل - الشاب محمد حبيب - 32 عاماً، ويزيد "جيلنا راحت عليه، لن نستفيد من الانتخابات، كبرنا على الوظائف ولم يعد بالإمكان استيعابنا".

وحول سؤالنا عن مدى تأثير رفع الإجراءات العقابية على حياته يرد بأن هذه السنوات أفقرت القطاع وأنهكت قدراته المعيشية بالإضافة إلى نتاج الحصار الإسرائيلي، وأن ما ذهب لا يمكن إصلاحه أو ترميمه بالنسبة لجيل الشباب الذي تجاوز مرحلته من دون وظائف، من دون تعليم جيد، من دون حياة كريمة، ومن دون حياة أصلاً – وفق قوله -.

أعمار شباب راحت وقود حروب وعدوانات تشنها إسرائيل على سكّان القطاع، تخللها انقسام فلسطيني أودى بأرواحنا أحياء، فلا مجال للنهوض لأنه لم يعد أحد يرانا، لن يعتبرونا من الشباب ولا نعتبرهم أهل لرؤيتنا – راحت علينا عنجد راحت علينا – يختم محمّد.