دراجاتٌ هوائية تُسابقُ "الهَم" في شارع "الكورنيش"
تاريخ النشر : 2020-11-09 09:32

شبكة نوى | قطاع غزّة:

"ليست ترفًا، ولا استعراضًا، إنها حاجة حقيقية" عبارةٌ اتفق على دقَّتِها شبانٌ فلسطينيون، يمتطون ظهور دراجاتهم الهوائية عند فجر كل يوم، ويتسابقون بها في ساحة شارع "كورنيش البحر" الواسعة، غرب مدينة غزة.

صور "السيلفي" التي يأخذونها لأنفسهم، ومقاطع الفيديو للبحر، والشوارع، والناس، في محاولةٍ لعرض حياة الشباب اليومية على مواقع التواصل الاجتماعي، "تبيع وهم السعادة للمتابعين والمعلقين على حد سواء" يصف أحدهم، ويعلق بانفعال: "شب مفلّس، ليش ما يعيش حياته عالبسكليت؟".

هذا التعليق يأتي في بال محمد عيسى (24 عامًا) كلما وصلت صندوق رسائله عبر سناب شات، أو إنستغرام، تعليقات على صوره أثناء قيادة دراجته الهوائية صباحًا مثل: "يا نيالك، ما أروع غزة وشوارع غزّة، وما أجمل بحرك يا غزّة"، يقول مطرقًا رأسه: "سأكون صادقًا مع نفسي، هذه صورة للوهم الذي نعيشه، ولا أدري إذا كان من يرسلون لنا تعليقاتهم تلك، يضحكون من أجلنا، أم يضحكون علينا!".

بلغ معدل البطالة بين الشباب في فلسطين بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 38% لعام 2019م (31% بين الذكور و63% بين الإناث)، بواقع 63% في قطاع غزة، و23% في الضفة الغربية.

محمد الذي أنهى دراسة دبلوم "الوسائط المتعددة" قبل ثلاثة أعوام، لم يجد فرصة عمل بمجال تخصصه، ولا يزال يحصل على مصروفه الشخصي من والده، وهو ذاته الذي استطاع ادخاره، لشراء دراجته الهوائية، بتكلفة 400 شيكل، أي ما يقارب 120 دولار أمريكي.

يضيف: "هذا البسكليت هو رأس مالي بالحياة في غزّة، لا أحتاج إلى مصروف للمواصلات، بل إنني أشعر بالحرية كلما طرت عليه، ولا أبالغ حين أقول: إنه يُشعرني بالحياة وسط الخراب الذي نعيش فيه".

صديقه أحمد عابد، يخبر "نوى"، أنه اتجه لركوب الدراجة الهوائية مع انتشار فايروس "كورونا" داخل المجتمع في قطاع غزة، باكتشاف أول حالاته يوم الرابع والعشرين من آب/أغسطس الماضي، "لتقليل الاحتكاك بينه وبين الناس في سيارات الأجرة، ومن باب الترفيه بعد الضغط الذي وقع عليه، بسبب فرض حظر التجول وإغلاق أماكن العمل".

ويكمل: "البسكليت كان شيء أساسي في تفريغ طاقتنا السلبية، والكبت الذي زادته علينا كورونا بعد الاحتلال".

كان أحمد يعمل نادلًا في أحد المطاعم بقطاع غزة، لكنه أغلق فترةً من الزمن مع بداية الجائحة، ليعاد افتتاحها مجددًا لكن بنسبة خصم على الرواتب فاقت الـ (30%)، والذريعة "الخسائر التي سببتها كورونا".

بسبب ذلك، يذهب الشاب اليوم إلى دوامه مستقلًا دراجته الهوائية، كي يوفر مصاريف المواصلات التي يرى أن طفلته أولى بها، كونها تحتاج إلى الحليب، والبامبرز باستمرار، وبالكاد راتبه يكفي لذلك.

ومما لا شك فيه أن الأزمة الراهنة المرتبطة بجائحة "كورونا" منذ مطلع شهر آذار 2020م، انعكست بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع، سيما فئة الشباب، الأمر الذي فاقم من معدلات البطالة -المرتفعة أصلًا- بينهم.

فقد بلغ معدل البطالة بين الشباب في فلسطين بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 38% لعام 2019م (31% بين الذكور و63% بين الإناث)، بواقع 63% في قطاع غزة، و23% في الضفة الغربية.

مما لا شك فيه أن الأزمة الراهنة المرتبطة بجائحة "كورونا" منذ مطلع شهر آذار 2020م، انعكست بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع، سيما فئة الشباب، الأمر الذي فاقم من معدلات البطالة -المرتفعة أصلًا- بينهم.

كما تظهر البيانات أن أعلى معدلات بطالة بين الشباب سُجلت بين الشباب الذين يحملون مؤهلًا علميًا (دبلوم متوسط فأعلى)، حيث بلغ معدل البطالة بين الشباب الخريجين (18-29 سنة) من حملة الدبلوم المتوسط فأعلى (52%) خلال العام 2019م (35% للذكور و68% للإناث).

"لماذا نركب البسكليت؟ لأنه الخيار الحُر الوحيد أمامنا" يسأل هيثم الحاج نفسه ويجيبها، ثم يتابع: "الشباب الفلسطيني في غزة يُقتل يوميًا، يُقتل بسبب الحصار، بسبب الاحتلال، بسبب الانقسام، بسبب الفقر، وبسبب البطالة".

ويزيد: "لكل راكب دراجة هوائية على "الكورنيش" قصّة، يهربون بالسير في الهواء، يتفنّنون في السباق فيما بينهم، يتبادلون همومهم بالصراخ، ويظنون أنهم يتنفسون الحرية فور انطلاقهم عليها، لكن الاحتلال بالتأكيد يكسر هذا الظن فور مباغتة الطائرات للسماء من فوقهم، والبوارج البحرية أمامهم تتربص بالصيادين في عرض بحر القطاع".

المُلاحظ هُنا –وفق هيثم- أن الكثير من الشباب لا يستطيعون توفير ثمن الدراجة الهوائية، بسبب ضيق الحال، فمنهم من اشتراها بالدَين، ومنهم من يبحث عنها في أسواق "البالة أو الخردة"، ليحصل عليها بسعرٍ رخيص، وهذا ما يؤكده البائعون هناك أيضًا.