قطاع غزّة | شبكة نوى:
لعلَّ انتشار وسم "صورتك بالخوذة"، يكون فرصةً جديدةً لعرض قصص ووقائع مرّت مع صحفيي غزة، خلال تغطيتهم الميدانية للأحداث، على الحدود وفي أوقات التصعيد.
"ما قصة هذه الصورة؟" سؤالٌ طرحته "نوى" على مجموعةٍ من صحافيي وصحافيات القطاع، الذين تفاعلوا مع الوسم بنشر صورهم وهم يرتدون خوذة الحماية، بعضهم استدعت ذاكرته مواقف طريفة، وآخرون تحدثوا عن مواقف مريرة، تعرضوا لها بسبب تلك الأدوات.
سعاد عكيلة، صحافية تعمل في الإعلام منذ العام ٢٠١٠م، انتقلت من العمل في الصحافة المكتوبة، إلى الصحافة المتلفزة عام ٢٠١٣م، وعملت في عدة قنوات تلفزيونية مثل: ليبيا الحرة، الغد العربي، تلفزيون قطر، العراقية الاخبارية، ثم قناة الكوفية.
تقول: "أصعب المواقف التي مررتُ بها تتعلق بالخوذة والدرع الواقي من الرصاص، وبمجرد أن لمحت الوسم، حتى مرَّ شريط ذكريات مؤلم أمام عيني، عندما كنت بانتظار أن أطل ببثٍ مباشرٍ في مسيرات العودة وكسر الحصار قبل عامين، كانت الأوضاع خطرة، ولم أكن أمتلك أيًا من أدوات السلامة المهنية".

تردف: "كنتُ أنتظر حتى ينتهي أحد الزملاء من تغطيته، فأستعير خوذته ودرعه، وأخرج بالبث المباشر، وفي ذلك اليوم، استمر الوضع على هذه الحال حتى الساعة الثامنة مساءً، عند الحدود مع الاحتلال".
صار الجنود يلقون قنابل الغاز المسيلة للدموع باتجاه الصحفية التي لم يتبقَّ غيرها في الميدان بالإضافة إلى موظفي الشركة التي تتلقى الخدمات منها، بالإضافة إلى زوجها الذي كان يرافقها حينذاك، "حينها هربنا من المكان بسرعة دون أدوات السلامة، كون زميلي كان يرتديها، وكان بحاجةٍ أكثر مني لوسم نفسه بها أثناء تواجده في مثل هذه الظروف" تضيف.
ولم لا يعرف شعور ارتداء خوذة الصحافة والدرع الواقي، تصفه سعاد بقولها: "هي أدواتٌ ثقيلةٌ جدًا، تحدث خللًا في التوازن إذا استمر الشخص بارتدائها لساعاتٍ طويلة، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة"، معقبةً: "لا أؤمن بقدرتها على الحماية في وجه عنجهية الآلة الإسرائيلية، والدليل على ذلك استشهاد الزميلين ياسر مرتجى، وأحمد أبو حسين خلال مسيرات العودة وكسر الحصار وهما يرتديانها، لكنها كافية لتشير بأن هناك صحافيون يعملون في المكان، ومن المفترض أن تؤمن لهم شارة الصحافة الحماية اللازمة".
أما سالم الريس (34 عامًا) فيقول إن "الوسم استفزه"، لذلك قرر المشاركة بصورة. يعمل الريس في مجال الصحافة المكتوبة والتسجيلات الصوتية لـ "البودكاست" منذ أكثر من عقد، لكنه بدأ العمل بمحال التصوير الصحفي، الذي لم يندمج فيه بسبب عدم توفير المؤسسة التي كان موظفًا فيها أسس الحماية –تحديدًا في أوقات التصعيد.
يقول: "لا درع واقي ولا خوذة، غير أنه تم إيقافي خلال تغطية مسيرة من قبل جهاز أمني، والمؤسسة لم تتدخل إطلاقًا برغم أنني أوقفتُ بسبب العمل لها".

حينها قرر الصحفي الشاب التقرب من مجال الكتابة كونها تجنبه النزول إلى الميدان في أوقات الخطر نوعًا ما، لكن حتى في هذا المجال، لا تكلف المؤسسات نفسها شراء خوذ ودروع وقاية للعاملين فيها، "مع مطالبتهم بالعمل أثناء الخطر، وتوفير الخوذ بمعرفتهم"، وهو الأمر الذي دفعه إلى الاستقالة.
يعتقد سالم أن للحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزّة، دور في ضعف توريد الأدوات بالتأكيد، "لكنه ليس مبررًا للمؤسسات كي تعرض حياة صحفييها للخطر، بمعنى أن هنالك العديد من المؤسسات التي تقوم بتوفيرها لصحافييها بطريقةٍ أو بأخرى" يضيف.
يعمل سالم اليوم صحافيًا حرًا "فريلانسر" لمواقع ومؤسسات خارج قطاع غزّة، يقول لـ "نوى": "من المعروف أيضاً أنها لا توفر أدوات السلامة المهنية، وهذا ما يضعف نزوله الميدان"، منبهًا إلى أنه غير مستعد للمخاطرة بنفسه من أجل مادة يتقاضى مبلغًا زهيدًا كمقابل لها، ويمكنه إنجازها عن بعد.
في الحقيقة، فإن ثمن أدوات السلامة المهنية مكلف جدًا بالنسبة للصحافيين والصحافيات، والذين يعملون بالقطعة بالتأكيد لا يستطيعون ولا بأي حالٍ من الأحوال دفع ثمنها، الأمر يدفع سالم إلى اللوم على نقابة الصحافيين أحيانًا لعدم سعيها لتوفيرها للفريلانسر، ولو بمبالغ رمزية، أو مبالغ تتناسب ودخول العاملين في القطاع الصحفي بغزة، أو حتى إلزام المؤسسات المحلية بتوفيرها للعاملين فيها قدر المستطاع.
ومنذ بداية العام ٢٠٢٠م، قرر سالم التركيز في عمله بمواضيع لها علاقة بالدول العربية، والشباب، وحياتهم اليومية، والثقافة والموسيقى، والفن، بمعنى أنه يوجد جوانب أخرى تكون أقل مخاطرة بالنسبة له.
أما عطية درويش، فيعمل مصورًا صحفيًا منذ ١٢ عامًا، إلا أنه لم يمتلك أدوات سلامة مهنية طيلة فترة عمله، فكان يضطر إلى استعارة الأدوات من صديق له، يتناوبان على استخدامها في فترات التغطية المختلفة.

في الرابع عشر من ديسمبر/ كانون الأوّل للعام 2018م، أصيب عطية 32 عامًا، بقنبلة غاز في وجهه خلال تغطيته لأحداث فعاليات مسيرة العودة، التي حملت شعار (المقاومة حق مشروع)، شرق مدينة غزة، إذ كان يرتدي الدرع الواقي والخوذة، حين ضربت قنبلة غاز وجهه، فأصابت عينه التي بات يبلغ مستوى الرؤية فيها اليوم 10% فقط، ما أثر على عمله، وجعل تركيزه في التصوير يعتمد اليوم على عينٍ واحدة، عدا عن ملامح وجهه التي تغيرت بفعل الإصابة – وفق إفادته-.
يقول: "التزمت بأدوات الوقاية بشكلٍ جيد، لكنها لم تحمني من قنبلة الغاز التي ألقاها جنود الاحتلال، وضربت وجهي بشكل مباشر".
وعن الوسم يضيف: "هو فرصة مهمة للصحافيين والصحافيات، لإبراز معاناتهم بحمل ثقل كبير على رؤوسهم وأجسادهم لفترة وصلت إلى ٥١ يومًا خلال عدوان عام ٢٠١٤م على سبيل المثال لا الحصر، ٥١ يومًا بثقل الخوذة على رؤوسنا، السماء تمطر "صواريخ" وقذائف المدفعيات تطلق باتجاه كل ما هو حي". يصمت عطية قليلًا قبل أن يكمل: "نرتدي الخوذة، والدرع، ونتوخى كل إجراءات السلامة، لكن كل هذا لا يساوي شيئًا أمام همجية الآلة العسكرية الإسرائيلية.. لقد كانوا يستهدفوننا بشكلٍ مباشر في بعض الأحيان، ولهذا كل صورةٍ لي بالخوذة تحمل قصةً، ووجعًا، وحسرة".
