"لقمة العَيش" تُتخِمُ "بالقهر" عائلة "زعزوع"
تاريخ النشر : 2020-09-27 21:04

شبكة نوى | قطاع غزّة:

"كلّه لأجل لقمة مغمسة بالدم" بالكاد كانت تلتقط أنفاسها لمّا قالتها، تتربّص عينا أم محمود بمئات الناس من حولها وكأنما تسأل نفسها: مَن كل هؤلاء؟! لمَ هم هنا؟! تصمتُ قليلًا وكأن شيئًا دعاها لتنظر إلى السماء، وتنادي بأعلى قوة: يااا رب.. وين ولادي يا رب؟".

هي أمٌ خسرت أبنائها الثلاثة الذين راحوا يلتقطون رزقهم في البحر: شهيدين وثالثٌ مجهول المصير حتى اللحظة. محمود محمد الزعزوع (22 عامًا)، وحسن محمد الزعزوع (26 عامًا)، وياسر محمد الزعزوع (19 عامًا)، فقدوا في البحر المتوسط قرب مدينة رفح جنوب قطاع غزة في السادس والعشرين من أيلول/ سبتمبر الجاري، حتى أعلن نقيب الصيادين نزار عياش، مقتل اثنين وإصابة ثالث برصاص الجيش المصري، قرب الحدود البحرية مع مصر.

كاد الدم يتفجّر من وجه الأم لشدة بكائها، كانت قبل عدة ساعاتٍ فقط من الإعلان عن مقتلهم، تقف أمام كاميرات المصورين، تنادي بقلب مفطور: "أنا أم الصيادين الثلاثة اللي انفقدوا في بحر غزة"، تحتضن صورهم وتقبّلها، ثم ترفع يديها وتناجي السّماء "يا رب أعدهم إلي سالمين، نحنا ناس غلابة يا رب، لا نبحث سوى عن العيش بكرامة".

صعدت المرأة مباشرةً إلى حيث كان ولداها أحمد ونضال يجلسان في الأعلى، وسألتهما: هل اتصل أحد منهم؟ فرد نضال: "لأ يمة".

بدأت الحكاية بتاريخ الخامس والعشرين من أيلول الجاري، عندما ذهب أبناء أم محود إلى البحر للصيد، ذهبوا يتحصنون بدعوات أمهم وصلواتها، بحثًا عن "الستر"، "وحتى لا يمدوا أيديهم إلى أحد" تقول الأم الثكلى.

وتتابع: "كعادتهم كل يوم، يهاتفونني في الخامسة فجرًا ليخبروني أنهم رسوا في دير البلح وعادوا بسلام"، لكن ذلك الفجر كان مختلفًا، لا هم اتصلوا ولا هي اطمأنت. بدا الأمر مريبًا عندما خرج أخوهم الرابع تمام الخامسة والنصف فجرًا، لقد اعتقدت أنهم اتصلوا به ليحضر إليهم من أجل أمرٍ مهم، لكنها لم تكترث للأمر كثيرًا، حتى حضرت زوجة أخيهم وقد بدت ملامحها غريبة!

صعدت المرأة مباشرةً إلى حيث كان ولداها أحمد ونضال يجلسان في الأعلى، وسألتهما: هل اتصل أحد منهم؟ فرد نضال: "لأ يمة".

لم يتمالك نضال نفسه، أجهش بالبكاء أمام والدته، ثم أخذ يصرخ: "يما لما كانوا في البحر بيصيدوا، هاجمهم الطراد المصري، مرة بيقولوا اثنين اتصاوبوا والثالث معتقل، ومرة بيقولوا اثنين استشهدوا والثالث معتقل".

لحظتها –تكمل أم محمود- قلت لهم: أخذوا أبنائي الثلاثة دفعةً واحدة، لقد شعرتُ بهم، أنا أم وهم أبناء رحمي.

ياسر الأصغر، الذي أجبر على ترك المدرسة بسبب الظروف الصعبة التي تعيش بها أسرته، قرر تعلّم الصيد منذ ثماني سنوات، كان يُحدّث أمه باستمرار كلما طلبت منه أن يريح نفسه من عناء المهنة: "يمّه خلينا نترزق"، هكذا أراد ياسر، مساعدة أشقائه على جمع المال كي تعيش أسرتهم بكرامة، "هذا كان كل ما يحلم به".

لحظتها –تكمل أم محمود- قلت لهم: أخذوا أبنائي الثلاثة دفعةً واحدة، لقد شعرتُ بهم، أنا أم وهم أبناء رحمي.

أما محمود، فتضيف أمه أنه يعمل صيادًا منذ حوالي عامين، وقد تمكن من الصعود بنفسه وإخوته بهذه المهنة، "رغم أنها محفوفة بالمخاطر بسبب حصار إسرائيل وتحديد مساحات الصيد"، تصمت قليلًا وتستدرك: "لكنها تعد من أحلى الخيارات المرة المتاحة".

محمود وحسن وياسر، راحوا يصطادون رزقهم بالدَين في محاولةٍ للعيش في بقعةٍ من الأرض تُصنّف عالميًا بأنها الأعلى في نسبة البطالة بين الشباب اسمها "غزة"، بالدَّين، وبعد رهنٍ مصاغ شقيقتهم قرروا شراء "مركب" الصيد من أجل توفير علاج والدهم الذي يعاني من مرضٍ في القلب، ويحتاج شهريًا إلى أربع وحدات دم، منذ أربع سنوات، بالإضافة إلى شقيقهم علي المريض أيضًا.

٢١ يومًا على "استدانة" ثمن المركب، غاب صوت محمود وحسن عن الحياة، ثم غاب ياسر عن منزله وعن الحارة التي يسكن فيها، بل وعن مدينته وبلاده كلها. هو حيٌ لكنه جريحٌ معتقل لدى السلطات المصرية، هذا كلّ ما تعرفه العائلة حتى موعد نشر هذا التقرير.