عالمان تفصلهما 45 ثانية
تاريخ النشر : 2012-11-23 22:07

طبقات من الستائر الفاخرة سكرية اللون، وحزم إضاءة صفراء دافئة.. ومشاعر عالية بالأمن والأمان تفصل بيني وبين الرئيس الأمريكي باراك أوباما في مقر عمله في البيت الأبيض في العاصمة الأمريكية واشنطن .. في حين جدار هش وعتمة موحشة.. ودعوات مرتجفة تفصل بين أمي الحبيبة بغزة والموت إما حرقاً أو سحقاً أو قصفاً.. أو حتى قهراً..

هذه المرة الأولى في حياتي أراقب هجوم عسكري إسرائيلي على غزة دون أن أكون في وسط الحدث ودون أن أبقى جنباً إلى جنب مع أمي.. لا أعلم كيف هي تتصرف الآن لا سيما بأنها وكما قال الطبيب مؤخراً تحتاج لراحة جسدية ونفسية تامة.. وتناول منتظم لعلاج الضغط المرتفع ...ولا أدري يا أمي كم يفيدك الآن دواء الضغط.. أو دواء "تسكين قلبك" الطيب...

من نافذة الفندق الذي أقيم به هنا بواشنطن أطل على "العالم".. فأرى أحدهم يرافق حبيبته ويحتضنها مداعباً خصلات من شعرها الأصفر المنساب بأناقة على ظهرها.. وآخر يعزف تحت شجرة أعذب وأهدأ الألحان على مزمار ذهبي اللون يجمع له الذهب في علبة صغيرة تحت قدميه.. وأخرى تجر عربة صغيرة بها طفلة حسبتها للوهلة الأولى "عروسة باربي" لشدة جمالها وحسن هندامها، ومسن يمشي منتصب القامة يحدوه الأمل لمستقبل جديد مشرق لازال ينتظره.

ومن نافذتي على الفيس بوك أطل على أهلي في غزة وأتابع الأحداث الدامية، فأجد أيضاً طفلة تشبه "عروسة الباربي" وذلك قبل أن تصبح جثة سوداء متفحمة.. الطفلة رنا عرفات إذ حرق الصاروخ الإسرائيلي شعرها.. وأذاب فيونكتها الزهرية..

لقد ذاب الصديد الساخن داخل أذنيها..

تحديقي بصورة التقطت لها بينما يلف الطبيب جثتها أدمى قلبي كثيراً لا سيما منظر فمها المفتوح لا أدري لماذا؟؟!! هل كانت تستغيث من ألم الحرق الذي يلتهم جسدها الغض الطري فتنادي "ماما" أم كانت تردد آخر كلمة تعلمتها في الحياة الدنيا أم كانت تستسلم وتلفظ أنفاسها الأخيرة وتخرج بقايا دخان أسود سرى ليكسو دراجتها ودميتها باللون الأسود الحالك...

رنا لم تكمل الثلاث سنوات وبرغم ذلك أصبحت "مالكة" لقبر يجوز للشوك أن ينمو حوله ويترعرع وللثعابين أن تدخله وقتما شاءت..

أم "رنا" يا أم "الطفلة الشهيدة" هل لك أن تستوعبي نوعية التفاصيل القاسية التي وضعتك أمامها الآلة العسكرية الإسرائيلية وللأبد..؟؟!!

وهل للعالم أن يستوعب تفاصيل حياتك فوق الأرض بينما ترقد "ابنة بطنك" تحت الأرض..؟!!

أرى من النافذة الرضيع عمر المشهرواي الذي لم تجمد عظامه بعد..إذ لم يمر على ميلاده أربعة فصول كاملة..

إسرائيل دقت عظامه اللينة وأهلكت شهادة ميلاده واستبدلتها بشهادة وفاة عاجلة.

أجد كيف أن محمد أجبر على أن يترك رغماً عنه مدرسته و"شلة" أنسه واللعب كالملائكة بحبات المطر في باحة الدار.. تاركاً لأهله قطعة سوداء تعكر صفو صورته المعلقة منذ نعومة أظافره في غرفة جده..

أرى كيف تخترق "برابيش" وأنابيب الأكسجين الخشنة أجساد الجرحى والمسنين المصابين في محاولة لإنقاذ حياتهم في حين تبتكر هنا في أمريكا طرقاً لمزيد من الرفاهية التي تمنحهم حياة فوق الحياة.

أرى كيف هنا تهتم النساء بأنوثتهن منذ الصباح حتى المساء، ويعتنين بأدق التفاصيل بحيث لا تهرم خلية أو تسقط شعرة دون إرادتهن في حين تشيخ الشابات في غزة ويهرمنّ وتتلف خلاياهن العصبية بضربة صاروخ!!

والغريب أنهن يرقدن الآن للنوم وبسبب الأحداث الساخنة يرتدين ملابس رسمية ويضعن غطاء رؤوسهن، ومنهن المرضعات اللواتي"هرب" حليبهن بسبب الخوف فاستعضن عنه بالحليب الصناعي وجهزنه في مصاصات لأطفالهن.

مسافة زمنية وجغرافية طويلة وبعيدة تفصل بين ابنتي ذات العامين "كنده" وزينة التي لم تكمل الخمس سنوات، أشعر بأنني أريد أن أغلف روحي وأرسلها بطرد عاجل لتغلف الاثنتين وتصنع حولهما هالة منيعة تحميهما وتصد عنهما الضربات الإسرائيلية المتوالية.

أو تستطيع روحي فعل ذلك...

أعتقد أن روحي التي تعلقت بالكثير من المبادئ والأخلاق والعادات الطيبة التي يتسم بها الناس هنا في أمريكا لن يحميها ويحمي ما تنجبه من أرواح إلا صناع القرار في هذا البلد.. ولن يحدث ذلك طالما بقينا نحن كفلسطينيين ندور في نفس الدائرة من المقاومة والمفاوضات وجولات الذكاء وصولات الغباء ..

في رحلتي هنا ولحتى الآن قابلت العديد من المواطنون الأمريكان وعدد لا بأس به من الشخصيات الرسمية والحكومية والمرموقة لا سيما في البيت الأبيض وداخل مجلس الشيوخ الأمريكي "الكونغرس"لم أجد أحداً ينحاز لإسرائيل على حساب فلسطين، ولا لفلسطين على حساب إسرائيل، لكن الانحياز للواقعي والذكي ومن يجيد قواعد اللعبة، وأيضاً للقوي "معلوماتياً" أعني من يستطيع أن يقدم معلومة "صادقة" أو يمكن جعلها قابلة للتصديق، أو معلومة محط اهتمام بالفعل لصناع القرار هنا بأمريكا.

أحد أعضاء الكونغرس الأمريكي قال أثناء مقابلتنا إياه "الأذن الأمريكية تريد أن تسمع الجديد منكم"، لا نريد المزيد من الشكوى والشكوى والشكوى.. عندما تخطأ إسرائيل اعرضوا ذلك كفلسطينيين وعندما تخطأوا أنتم كفلسطينيين اعرضوا ذلك أيضاً.

كثيراً ممن قابلناهم ويعملون في مجال الإعلام الجديد لم يقدموا لنا الجديد فقط في كيفية التأثير بالعالم أجمع لصالح قضايانا كفلسطينيين عبر وسائل الإعلام الاجتماعي الجديد، بل منحونا أيضاً طرقاً ابتكارية للتفكير!!

صراحة أفكار كثيرة بدأت تتغير لدي "للأعمق" عن صراعنا مع إسرائيل وعن الصورة النمطية عن دعم أمريكا لإسرائيل لدرجة أنني أصبحت أرى أن ما كنا نردده من موروثات بالية مثل "فلتسقط أمريكا مثلاً" أو "أمريكا أعطت لإسرائيل الضوء الأخضر لضربنا في غزة مثلاً" ما هي إلا "تابوهات لفظية سطحية نرددها كالببغاوات" الحائرة.

من يعطي الضوء الأخضر لإسرائيل هو ضعف وعاطفية "الأصفر" لدينا "واضمحلال وسطحية النظرة للصراع لدى "الأخضر" لدينا، والقوة هي مقاومة ضعفنا في التفاوض وتفاوضنا بقوة لشرعنّة المقاومة، ولو فكرنا بعمق سنجد أن تحرير فلسطين يمكن أن يبدأ من هنا .. من داخل أمريكا.. من داخل لوبي "أمريكي عربي" يواجه اللوبي الإسرائيلي.

"45" ثانية تفصل بين مكتب الرئيس أوباما ومكان سكنه في البيت الأبيض وهو ما جعل من حوله يطلقون على قراراته التي يتخذها ما بين مكان عمله وسكنه ومن ثم يصرح بها للصحفيين اسم "قرار الـ45 ثانية".. فهل نحن نحتاج لـ"45" سنة كي نجعل رئيس أمريكا يتخذ قرار لصالحنا في "45" ثانية أم نحتاج لأكثر أم لأقل؟؟!!

آهات أمي التي لازالت تصدح بأذني عندما أتاها خبر استشهاد شقيقي الجميل محمد كفيلة بأن تهز أركان الكونغرس الأمريكي بل وتصل لتصدح في زوايا البيت الأبيض، لكننا وبكل صراحة لسنا متحمسين لأن نزف المزيد من الشهداء ولننزف المزيد من الدماء.. ورجاء إسرائيل إن أردت قتل فلذات أكبادنا اقتلينا نحن الأمهات قبلهم كي لا نموت في اليوم مائة مرة على عيشهم بعيداً عنا في عنان السماء؛ أو اسحقينا سوياً فأنت خير من يجيد السحق الجماعي