قطاع غزّة | نوى:
في بيت ريما الطالبة في الصف الثالث الابتدائي، علت صوت شهقة أمها فجأة، وأتبعتها بسؤالٍ غرضه الاستنكار: "تبرع لإيش؟!".
كانت معلمة الطفلة طلبت من طلبة الصف قبل عدة أيام، التبرع بمبلغ (2) شيقل لشراء "مروحة عامود" من أجل تهوية الصف، الذي لا توجد به أي وسيلةٍ للتهوية إلا نوافذه، التي تُغلقُ على الأغلب في محاولةٍ من المعلمة، تركيز انتباه الطلبة نحوها بدلًا من مراقبة الساحة، أو منعًا لصوت شرح المدرسات في الصفوف المجاورة من تشتيت انتباهها خلال الشرح.
تقول أمها: "لاحظتُ عدم وجود مروحة في أول يومٍ رافقت فيه ابنتي إلى مدرستها، ويوم سألت المعلمة عن السبب، أجابتني: لا تقلقيش بدنا نجيب، ليجُر الحديث بعضه فتخبرها بأن أي وسيلة تهوية سيحتويها الصف الآن ستكون على حساب المعلمة الخاص". ليأتي طلب المدرسة غريبًا، ومستهجنًا في ذات الوقت، و"هي التي تتبع لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين- أنروا" أن لا توفر متطلبًا رئيسيًا كهذا للطلبة في عز الصيف الحار.
تضيفُ الأم: "بالطبع أعطيتُها المبلغ، ابنتي تعود يوميًا من المدرسة والعرق يبلل ملابسها، تصلُ مباشرةً فتلقي نفسها تحت دش الاستحمام لعلها تشعر ببعض الراحة، وهي التي قضت في المدرسة يومًا أقل ما يقال عنه إنه مرهق لشدة حره".
الطفلة دارين، تعيش نفس الظروف داخل غرفة صفها المكتظة بالطلبة، تقول: "نكاد نموت من الحر، لا تهوية، ولا تركيز مع المعلمات، لا أصدق متى ينتهي الدوام؟ فأعود لمنزلي"، فيما تعلق أمها: "هذه هي قصّة أطفالنا "البائسة" في قطاع غزّة".
وافتتحت وزارة التربية والتعليم في قطاع غزّة، العام الدراسي الجديد، يوم الثامن من أغسطس/ آب، حيث التحق عشرات الآلاف من الطلبة بمقاعدهم الدراسية في مختلف المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، بعد إغلاق المدارس لحوالي خمسة أشهر كإجراءٍ احترازي لمواجهة فايروس "كورونا"، في فترةٍ تُعدّ أبكر من كلّ عام.
دارين وليد (10 أعوام)، طالبةٌ في الصف السادس الابتدائي، تقول: "إن عدد زميلاتها في الفصل وصل إلى 45 طالبة، تقاتل نفسها طوال ساعات الدوام من أجل أن تبقى متيقظة لكلام المعلمة، فالحر يضعف قواها وتركيزها"، مؤكدةً وجود مروحةٍ في الفصل "إلا أنها لا تعمل" تضيف.
وعند عودتها للمنزل تخبر والدتها "نوى"، أنها "تعود يائسة ومحبطة، متعبة ومرهقة بسبب الحر، ويوم لا يكون جدول الكهرباء موصولًا، فإنها ترفض حلّ دروسها إلا عند عودة التيار الكهربائي حتى لو أُجبرت للسهر حتى الساعة 11 مساءً".
"أصنع مروحةً من الورق"، كان هذا حلًا بديلًا بالنسبة للطفل عدي فرج (14 عامًا)، الذي تحايل بذلك على عدم وجود أي وسيلة تهوية في فصله، إلا أن الأمر بالنسبة لمدرّسه كان مختلفًا عندما سحبها من يده، ومزّقها، وطلب منه أن لا يفعل ذلك مجددًا "كونه يلهي نفسه عن الدروس"، وفق ما تحدث به الطفل.
يوضح عدي، أنه وزملائه بلا شك يشتكون من حرّ الصيف، "ويحاول المدرسون التخفيف عنا من خلال فتح الشبابيك، أو إعطاء الطلاب مساحة لغسل وجوههم باستمرار، كي يرجعوا إلى تركيزهم، إلا أن تكرار ذلك عدة مرات خلال الحصص يعدُّ أمرًا مملًا ومرهقًا".
ويتابع: "في بعض الأحيان يتم تشغيل المراوح، لكن ليس في كل الوقت برغم وجود طاقة شمسية في المدرسة".
إسلام عطا الله، وهي أم لستة أبناء، بينهم ثلاثة طلبة في المدرسة. تقول: "جاءت ابنتي تطلب مروحة صغيرة تُعرف بالمروحة الشخصية، وتعمل وفق البطاريات، بعد اقتراحٍ من مدرستها، فتوضعُ على المقعد أمام وجه الطالبة لتخفف عنها الحر نوعًا ما"، مبينةً أن تلك المراوح يتراوح سعرها ما بين 15 و 20 شيقلًا.
تضيف: "اقترحتُ على ابنتي أن تدفع كل طالبة في الفصل مبلغًا مهما كان، ليتم استهلاك المجموع النهائي في شراء مروحة كبيرة، يستفيد منها الصف كله، فما كان من ابنتها إلا أن ردت: "لدينا ثلاث مراوح لكنهم يرفضون تشغيلها"".
مدّة تشغيل المروحة الشخصية بحسب إسلام، تصل إلى خمس ساعات يوميًا، أُجبرت على شراءها لاثنين من أبناءها، لكنها ترى أنه ليس "بالحل المناسب خصوصًا وأن الوضع المادي لبعض للطلاب والطالبات، لا يسمح بشرائها لأبنائهم، وتحديدًا عندما يكون لديهم اثنين أو ثلاثة وأربعة أشقاء أحيانًا في المدرسة.
محمود مطر، مدير عام الإشراف في وزارة التربية والتعليم، يبرّر في اتصالٍ مع "نوى" الشكاوى التي وصلت للمديرية بخصوص موضوع تهوية الفصول بقوله: "إنها مشكلة فنية، وجاري العمل على حلها".
وقال: "بعض المدارس تعمل بنظام الطاقة الشمسية فعلًا، لكن قدرة هذه الطاقة لا تكفي لتشغيل كل مراوح الفصول وأجهزة المدرسة، ما يُجبر المدرسين والمدرسات على عدم تشغيل المراوح الموجودة أحيانًا".
ومن ناحيةٍ ثانية، فإن المباني القديمة للمدارس شبكاتها متهالكة، وتعمل الوزارة من خلال المؤسسات على تعويضها بنظام الطاقة الشمسية، "وهذا الأمر يعتمد على التمويل" على حد تأكيده.
ويوجد في قطاع غزّة بحسب مطر 280 مبنى، يضمّ 420 مدرسة، تحاول الوزارة متابعة الإشكاليات فيها والتعاون مع إداراتها لحل المشكلات المختلفة، سعيًا لمصلحة الطلبة.
وتعقيباً على قضية "المراوح الشخصية"، ردّ بالقول: "ليس مطلوبًا من المعلمين والمعلمات اقتراحها على الطلاب والطالبات، فهذه مسؤولية الوزارة والمدارس، وليست مسؤولية الطلبة"، مؤكدًا أن افتتاح الموسم الدراسي الجديد لهذا العام مبكرًا، بعد إغلاقٍ استمر عدة أشهر، كان سببًا في تأزم الطلبة بموجة الحر الحالية، التي غالبًا تحدث في فترات الإجازة الصيفية، بينما الطلبة داخل بيوتهم.
