غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"عند سماعي صوت انفجار، لا أنامُ أساسًا، أحمل هاتفي وأبدأ بمتابعة مواقع الأخبار لحظةً بلحظة، ثم أسأل نفسي: هل من الآمن أن أرسل طفلتي إلى المدرسة غدًا؟". مع اليقين الذي تحمله السيدة رهف عبد الله في قلبها بأن "الأعمار بيد الله" إلا أنها تؤمن بأن "الاحتلال لا ضوابط تحكمه"، وأن لا مأمن من غدر صواريخه حتى داخل المدارس.
بالضبط، هذا ما يحدث مع معظم أمهات قطاع غزة عند احتمالية وقوع أي تصعيد خلال العام الدراسي، بل وبآبائه أيضًا! يرافقهم القلق طوال الوقت، فالسوابق في استهداف المدارس كثيرة، ومدرسة الفاخورة شمال قطاع غزة التي قُصفت بقنابل الفوسفور الأبيض عام 2008م تشهد.
صباح الثالث عشر من آب/ أغسطس للعام 2020م، أعلنت مصادر محلية بقطاع غزّة عثورها على صاروخٍ لم ينفجر أصابَ مدرسةً بمدينة غزة إثر الغارات التي نفذتها طائرات الاحتلال على مناطق متفرقة فجر اليوم الخميس.
وكانت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أنروا" علّقت في بيان لها: "حسب المعلومات الواردة فإن مدرسة الشاطئ الابتدائية المشتركة (د) التابعة للأونروا، تضررت جراء غارة إسرائيلية الليلة الماضية".
وأضاف البيان: "على ما يبدو، فإن الجسم لم ينفجر. لم يسمح بدخول الأطفال إلى المدرسة وتم إغلاقها"، متابعًا: "ننتظر التقرير لوصف طبيعة الضرر والجسم غير المنفجر. وفي اللحظة التي تثبت فيها الحقائق بالشكل الصحيح والنهائي، فإننا سننظر في الخطوات التالية بما في ذلك إخطار جميع المعنيين، ومطالبة المسئولين عن ذلك بتحمل مسؤولياتهم. وبمجرد إبلاغنا بأن المكان آمن، ستقوم فرق الصيانة والنظافة التابعة للأونروا بمباشرة عملها في المدرسة".
"إن غزة كادت تفيق اليوم على كارثة مُحققة، نتيجة القصف الإسرائيلي الذي استهدف مدرسة ابتدائية للأطفال، تابعة للأونروا، في مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة، وتضم حوالي ألف طفل".
من جهتها، قالت وزارة الداخلية في القطاع: "إن غزة كادت تفيق اليوم على كارثة مُحققة، نتيجة القصف الإسرائيلي الذي استهدف مدرسة ابتدائية للأطفال، تابعة للأونروا، في مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة، وتضم حوالي ألف طفل".
وأضاف الناطق باسمها إياد البزم، في تصريحات له: "القنبلة التي استهدفت المدرسة تحتوي على 1500 شظية معدنية، كل شظية منها كافية لقتل إنسان، مشيرًا إلى أنها موجهة بالليزر، ونسبة الخطأ بها تكاد تكون معدومة".
إيمان الشنطي، هي أم بلال وبنان وعمر وألما، ثلاثة منهم في المدرسة وأصغرهم بالروضة، تقول: "إن هواجس العدوان الإسرائيلي عام 2014م، لا تزال تلاحقني وأطفالي، ابنتي بنان تحديدًا، يلاحقها كابوس الصواريخ والقصف كلّما حلّ الليل".
لا تجد الأم حلًا لهذا في ظل استمرار مأساة القصف، فكلما تحسنت، عاد وضعها للتدهور مجددًا بمجرد سقطو صاروخٍ إسرائيلي جديد، تعلق: "هذا طبيعي، كل أم تشعر بالقلق والارتباك عندما يحدث القصف، ليس خوفًا منه، بل خشيةً على مصير أطفالها، لا سيما لو كانوا في الدوام المدرسي".
ومن الجدير ذكره، أن العام الدراسي الجديد، بدأ بغزّة قبل عدة أيام، بعد إغلاق للمدارس استمر حوالي خمسة أشهر، كإجراء احترازي لمواجهة فايروس "كورونا".
"التصعيد يزداد سوءًا في أوقات الدوام المدرسي، أسأل نفسي: كيف سأودع أبنائي وبناتي الذين يغادرون البيت إلى مدارسهم تحت القصف؟".
تتابع إيمان: "التصعيد يزداد سوءًا في أوقات الدوام المدرسي، أسأل نفسي: كيف سأودع أبنائي وبناتي الذين يغادرون البيت إلى مدارسهم تحت القصف؟"، تصمت قليلًا ثم تقول: "هذه حقيقة، نحن معرضون للقتل من قبل الاحتلال في أي وقتٍ وفي أي مكان".
مشهد استهداف مدرسة الشاطئ "د" أعاد ذكريات سيئة إلى مخيلة إيمان التي تذكرت قصف مدرسة الفاخورة بالفسفور الأبيض خلال العدوان الإسرائيلي في عام 2008م، حين قُتل أكثر من 15 فلسطينيًا وفلسطينية، ظنوا أنهم يحتمون بمدرسة "أنروا".
استهداف المدرسة بشكل مباشر من قبل الاحتلال لا يعدّ الأول من نوعه، فقد توصل تحقيقٌ أجرته الأمم المتحدة في العام 2015م، إلى أن إسرائيل قصفت 7 مدارس تابعة للأمم المتحدة، خلال حرب غزة عام 2014م، مما أدى إلى مقتل 44 فلسطينيًا على الأقل، كانوا قد احتموا ببعض هذه المواقع. هذا عدا عن المدارس الحكومية التي استهدفت بشكل مباشر أو تضررت بشكل جزئي.
"أول ما خطر في ذهني سؤال: ماذا لو تكرّر القصف الآن؟ ابنتي في المدرسة الآن، كيف سأهرع إلى مدرستها التي تبعد عن مكان عملي ثلث ساعة بالسيارة؟".
آلاء صالح، أم لجنى وحلا تقول: "عندما رأيت صور المدرسة المقصوفة خلال دوام العمل، تسلل الرعب إلى قلبي، أول ما خطر في ذهني سؤال: ماذا لو تكرّر القصف الآن؟ ابنتي في المدرسة الآن، كيف سأهرع إلى مدرستها التي تبعد عن مكان عملي ثلث ساعة بالسيارة؟".
الأم العاملة تزيد مأساتها عن غيرها خصوصًا لو كان أولادها طلبةً بمدارس مختلفة، "كيف سأخرج من الدوام هكذا؟ كيف سأجمعهم مرّة واحدة؟ ماذا لو تم استهدافنا؟" أسئلة مرهقة تلاحق آلاء التي أول ما خطر ببالها بعد تقليب صور المدرسة الجريحة اليوم، هو مشاهد العدوان الإسرائيلي عام 2008م، حين شاهدت أطفال المدارس بعد أن فتحت أبوابها أمام الأطفال ليعودوا إلى منازلهم.
"لا أنسى مشهد طفلة خرجت من الباب تصرخ وتفتح ذراعيها لأي حضن يمكن أن يخبئها، تهرب من القصف إلى حيث تأخذها قدميها، يلحق بها شقيقها الذي كان يصرخ أيضًا".
تضيف: "لا أنسى مشهد طفلة خرجت من الباب تصرخ وتفتح ذراعيها لأي حضن يمكن أن يخبئها، تهرب من القصف إلى حيث تأخذها قدميها، يلحق بها شقيقها الذي كان يصرخ أيضًا، تخيلتُ لو أن هذا يحدثُ لابنتي، ماذا سأفعل حينها؟".
"لا أنتظر قرار وزارة التعليم بإلغاء المدارس، أنا أتخذ القرار بنفسي وأمنع أطفالي من الذهاب"، هذا ما تفعله زهرة رجب –وهو تصرف طبيعي حسبما تقول- لأن "مصطلح الرعب ليس منصفًا أمام ما تعيشه هي وأسرتها عند جولات التصعيد المتواصلة على قطاع غزة".
الحديث عن تكرار الاعتداءات على قطاع غزة، وسكّانه البالغ عددهم نحو مليوني إنسان وإنسانة، لا ينتهي، لا سيما لو ارتبط الأمر بالتعبير عن المشاعر، لكن زهرة اكتفت بما قالته حول قرار منع أطفالها من الذهاب إلى المدرسة بعد كل تصعيدٍ في محاولة للهرب من الحدث وتبعاته، وختمت: "ما يفعله الاحتلال بنا هنا يظهر على وجوهنا، كل الكلام لا يكفي، هذه هي الحرب، نظن أننا أحياء لكننا في الواقع أموات مع وقف التنفيذ".
