قطاع غزّة | نوى:
"أنا آسف، حقّك علي يا بابا!" اعتذارٌ ربّما لن يكون مجديًا الآن بالنسبة لطالبٍ رسبَ في الثانوية العامة، أُجبرَ على دخول الفرع العلمي تحضيرًا لدراسة "الصيدلة".. التخصص الذي اختاره له والداه أيضًا.
يقول أحمد حسين لـ "نوى": "إن سبب رسوبي الأساسي أن عائلتي أرغمتني على دخول الفرع العلمي، ظنًّا منها أن الفرع الأدبي ليس للأذكياء، كان أبي يحلم عوضًا عني، ويطالبني بتحقيق حلمه، في أن أصبح صيدلانيًا أو مهندسًا".
كان أبوا أحمد يؤمنان في قدرته على اجتياز الامتحانات بتفوّق، ظنًا منهما أنهما أدرى بمصلحته، وأن عليهم المشاركة في اختيار التخصص، بل وإرغامه عليه "كونه صغير لا يعرف مصلحته بعد" حسب تعبيره.
أحمد: أنا لا أريد الهندسة ولا الصيدلة، أريد أن أصبح مسعفاً كوالدي، وهما يرفضان ذلك بالمطلق
يعلق قائلًا: "أنا لا أريد الهندسة ولا الصيدلة، أريد أن أصبح مسعفاً كوالدي، وهما يرفضان ذلك بالمطلق".
يرى الوالدين أن العمل بهذه المهنة صعب وخطير، وفيه مجازفة يريدون عزل ابنهما عنها، خاصة أن قطاع غزة بيئة خصبة للأحداث السياسية والميدانية، التي تتطلب خروج رجال ونساء الإسعاف في أي وقتٍ تقرر فيه "إسرائيل" شنّ عدوانها على سكّان القطاع.
ورغم أنه حتى الآمنين والآمنات في منازلهم، يتعرضون للقصف والتدمير والموت أيضًا، إلا أن والد أحمد يرى في "المسعفين" فرائس سهلة أمام عينيه "ينقض عليهم في كل آنٍ ويتلذذ بقتلهم كي لا يُبقي للفلسطينيين في المناطق المستهدفة فرصًا كثيرةً للنجاة من مصير الموت".
بدأ أحمد يتخطى صدمة الرسوب، ويهيئ نفسه لإعادة المادتين اللتين رسب فيهما. لقد ترك أهله له –وأخيرًا- حرية اختيار التخصص في الجامعة منذ يوم النتيجة، كما أن رد فعل أبيه أثرت فيه بشكلٍ كبير، "لكن بعد شو؟" يتساءل.
عائشة: أتفهم سوء وضع أسرتي الاقتصادي وعدم قدرتهم على دفع رسوم تخصصات أخرى، لكن أنا.. من يتفهم كرهي لهذا التخصص؟
عائشة أبو هاشم، هي الأخرى كانت طالبة ثانوية عامة، تخرّجت قبل عامين بمعدّل 84%، تصف تجربتها بأنها "قاتلة" كونها أجبرت أيضاً على دخول تخصص الشريعة والقانون، بمنحةٍ دراسية لأن عائلتها لا تستطيع دفع رسوم أي تخصص ثانٍ.
حسرة وألم نفسي كان يصيب الطالبة في كلّ مرة كانت ترى فيها صديقاتها يركضن نحو قاعات المحاضرات بتخصصات اخترنها وأحببنها، بخلاف ما كانت تشعر به هي، عندما تحضِّر محاضراتها التي "كانت تسجّل حضوراً فيها ليس إلا" – وفق قولها-.
تقول "أتفهم سوء وضع أسرتي الاقتصادي وعدم قدرتهم على دفع رسوم تخصصات أخرى، لكن أنا.. من يتفهم كرهي لهذا التخصص؟".
هذا الواقع، دفع عائشة إلى قبول الزواج للهرب من الدراسة ومن الجامعة، بشرط أن يقوم زوجها بمساعدتها في دراسة "آداب اللغة الإنجليزية"، وهذا ما وعدها به عند أول فرصة تتحسن فيها ظروفه المادية.
الإحصاء: نسبة الفقر والبطالة وصلت خلال العام 2019م، إلى ما يقارب 75%
بحسب آخر إحصائيةٍ صدرت عن وزارة التنمية الاجتماعية بغزة، فإن نسبة انعدام الأمن الغذائي في صفوف سكان القطاع بلغت 70%، كما أن نسبة الفقر والبطالة وصلت خلال العام 2019م، إلى ما يقارب 75%، في حين وصلت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر المدقع إلى 33,8% نتيجة الحصار الإسرائيلي الواقع على غزة منذ 14 عامًا.
"فش عنا بنات تجري، هذا التخصص مش للبنات"، عباراتٌ تسمعها شذى هاني التي حلمت بأن تكون صحافية، حصلت على معدّل 77%، إلا أن أسرتها رفضت بشكل قاطع أن تتناقش بالفكرة، منذ أن بدأت الطالبة تصرّح برغبتها فيها.
تقول: "متُّ وأنا أحاول معهم منذ وصولي للثانوية العامة، لكنهم كانوا يرفضون حتى الحديث في الموضوع، ويغلقون فمي بالقول: اسكتي وما تعيشي حالك بأوهام أكتر من هيك".
"عادات وتقاليد بالية" تصف شذى الواقع المحيط، وتضيف: "لا أعلم ما سبب موقف عائلتي من دراستي الإعلام الذي لا تختلف فيه الصحافية عن الطبيبة والممرضة والمعلمة، بل الكثير من المهن الأخرى".
كلّما مرت صحافيات ومراسلات أمام ناظريها على شاشات التلفزة، تشير الطالبة بإصبعها نحوهن بشغف، وتسأل أهلها: "انظروا، ألا تحترمون هذه المذيعة؟ ألا تحترمون شخصيتها وعقلها وفكرها؟"، يجيبونها حينها بـ "نعم، نحترمها بالطبع"، لكنهم يستدركون بقولهم: "لكن أهلك ليسوا كأهلها، نحن نخاف عليك من المخاطرة، أدرسي تعليم أساسي أحسن لك ولعاداتنا".
لا تزال شذى تحاول، إلا أنها تدرك جيدًا أن أسرتها لن تقبل، وضعت اللغة الإنجليزية خيارًا ثانيًا، وتحاول البحث عن دوراتٍ عبر الإنترنت، والتعلم عن بعد ذاتيًا أملًا في أن تمارس المهنة يومًا (الصحافة)، هذه المهنة غير المرتبطة بدراسة التخصص البحت، حسب ما يشي الواقع المهني في قطاع غزة على حد تعبيرها.
