قصة المصوّر "الزعنون" مُجدّدًا.. كي لا ننسى
تاريخ النشر : 2020-05-03 16:34

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

منذ 13 عاماً، ودم محمّد يتسرّب من جسده بشكل يومي، هكذا قرّر له الاحتلال. في كل صباحٍ، يصحو يتحسّس عينه وتلك التشوّهات في وجهه، ويحاول ترميم روحه التي تعايشت مع الشظايا، ثمّ ينهض إلى عمله كمصّورٍ صحفي في غزة "البيئة الخصبة بالأحداث الميدانية والخطرة".

في العام 2006م، أصيب المصوّر محمّد الزعنون بجروحٍ بالغة إثرَ استهدافٍ من طائرة استطلاع إسرائيلية لمجموعةٍ من الصحفيين الذين كانوا يوثّقون اجتياح الآليات العسكرية الإسرائيلية شرق حي الشجاعية، في منطقةٍ تعرف باسم "محطّة عبيد".

"تفجّرت الكاميرا بعيني وضربتني في مقتل" بعد تنهيدةٍ طويلة، عضّ محمد على جرحه، وبدأ يروي الحكاية، بعد أن ابتسم لتاريخ اليوم (الثالث من آيار/مايو) كموعدٍ للاحتفال بالمبادئ الأساسية لحرية الصحافة، وتقييمها على مستوى العالم، وفقًا لما أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1993م.

عين محمد التي يرى بها، عين المصوّر التي تطارد انتهاكات الاحتلال وتبثها للعالم، تكسّرَ هيكلُها العظمي بفعل الإصابة، تناثرت الشظايا في فمه فخلعت سقف حلقه، وأما يده التي كانت تحمل الكاميرا، فقد فقدت واحدًا من أصابعها أيضاً.

وبينما أحدث استهداف الطائرة كلّ هذا، لم تقف رغبة الجنود بامتصاص دم الشاب هنا فقط، فأطلقوا نحوه الرصاص الذي اخترق صدره، فأقعده عامًا كاملًا في العناية المركزة.

ويضيف: "تسمّم جسدي بالرصاص والبارود، لم يكن أمامي أي خَيار باستثناء الموت، لا أعرف كيف أقف أمامكم اليوم حيًا أُرزق".

ورغم مرور 13 عامًا على الإصابة، إلا أن الزعنون يكابد أوجاعها حتى اللحظة؛ فهو يشعر بعدم التوازن أغلب الوقت، ناهيكَ عن نسبة الهواء الكبيرة التي تدخل عينه وتؤذيه، جفافٌ يوميٌ ودموعٌ تتساقط بين فترة وأخرى حتى يظن الناس أحياناً أنه يبكي، يرتدي نظارات شمسية في فصل الشتاء، وينزعج من أسئلة الأطباء المرهقة عند كلّ مراجعة "إنت كيف لسّه عايش بعد كل هاد؟".

أما عند النوم فـحجم "التعاسة" وفق تعبيره لا يُوصف، يقول: "أُجبرُ عيني قسراً على الإغلاق من خلال قطعة قماش تشدّها وتغلقها حتى أستطيع النوم، فالعظمة التي تشدّ العين تلقائياً تعطلت وظيفتها بسبب الإصابة أيضاً".

يبلغ مستوى الرؤية اليوم في العين المصابة 65% بحسب تشخيص الأطباء، يتابع: "أي ضربة بسيطة يمكن أن تخرج عيني من مكانها، فلا جدار حولها لحمايتها، ولكم أن تتخيلوا رغم مرور أكثر من عقد على الإصابة، أنني لا أزال بحاجة إلى عمليات زراعة عظام تحت العين".

بنصف عينٍ، بنصف وجهٍ، بنصف أنفٍ، بنصف شفة، وبطن هو الآخر انقسم إلى نصفين، شكّلت "إسرائيل" جسد محمّد باستهداف غير مبرّر، بينما كان يمارس عمله في مهنة الصحافة.

أجبرته على الانطواء والانعزال قسراً، وقضاءِ سنواتٍ من العلاج البدني والنفسي، حتى استطاع النهوض مجددًا، تخلّت عنه الجهة التي كان يعمل من أجلها حين استُهدف وبدأ معركةً أخرى في البحث عن عمل جديد.

منذ 13 عامًا، لا يزال الجريح يحتفظ بملابسه التي مزّقها الرصاص حين أصيب، تفوح برائحة دمه، يخزّنها في صندوقٍ يطوي ذكرياتٍ أليمة، وربّما لم تنطوِ في الحقيقة، هي عالقةٌ في وجهه وفي تفاصيل جسده المسمّم بالبارود حتى اللحظة.

"أنا عطية درويش، وأنا سامي مصران، وأنا معاذ عمارنة، أنا كلّ المصابين" هكذا يرى نفسه في كلّ مرة يصاب فيها صحفي فلسطيني بأيدي جنود الاحتلال الإسرائيلي، تضربه الرصاصات في كلّ مرةٍ وتخترق الشظايا قلبه، يتحسّسها مجدداً، ولا يتردد بالكتابة من أجلهم، "فهم محمّد، وهو كلّ المصابين والمصابات".

وفي العام 2019م، أقدم الاحتلال الإسرائيلي على انتهاكات عدة ضد الصحفيين والصحفيات، حيث تم تسجيل 650 إصابة بينها 60 إصابة بالرصاص الحي. وفي عام 2018م، فقد الجسم الصحافي شهيدين هما ياسر مرتجى وأحمد أبو حسين إضافة لأكثر من 800 إصابة.