معروفٌ صَنَعَهُ "كورونا".. لمّة "التلفزيون" ووناسة العيلة
تاريخ النشر : 2020-04-26 22:12

شبكة نوى، غزة:

للمرة الأولى منذ عقدٍ من الزمن، تجلس هدى نصر أمام شاشة التلفاز بكلّ شغفٍ لمشاهدة المسلسلات! البحر مغلق، والمطاعم والمقاهي كذلك، حتى بيتها أضحى مغلقًا أمام الزوّار أيضاً. "كورونا في الأرجاء، و"السوشال ميديا" ترعبنا أكثر مما ترفّه عنا" تقول.

منذ 10 أعوام تقريبًا، تراجعت بالفعل نسبة مشاهدة التلفاز، حتى بات الجهاز مثله مثل الأريكة داخل المنزل، فالكل صار يتجه نحو الهواتف الذكية، بمختلف تطبيقاتها لا سيما داخل قطاع غزة، حيث وضع الكهرباء الاستثنائي.

هدى، السكرتيرة في إحدى الشركات التي قررت تخفيض عدد أيام الدوام كإجراء احترازي لمنع تفشّي الفايروس، تضيف: "مللتُ من أخبار كورونا ومن الشائعات التي تمطرنا بها وسائل التواصل الاجتماعي، قررتُ فتح التلفزيون، ومتابعة أي مسلسل مصري يظهر أمامي"، لم تمر الساعة، إلا وقد وجدت السيدة الثلاثينية أولادها الأربعة الذين ألزمتهم بالحجر المنزلي ينضمون إليها تدريجيًا.

بدا المشهد غريبًا لهدى، فعادةً ما "تنفقع مرارتها" على حد تعبيرها، عندما تنادي أحد أبنائها لتطلب منه طلبًا ما، فلا يجيبها! كانوا دائمًا يحدقون بشاشات هواتفهم المحمولة، لكن التلفاز جعلهم يتركونها وينضمون لأمهم.

تزيد: "بدأوا يتفاعلون بشكل تدريجي مع هذا الجهاز الجديد عليهم، ما إن تنتهي حلقة، حتى يطلبون تقليب المحطات وتثبيتها عند مسلسلٍ آخر"، مردفةً وهي تضحك: "أنا سعيدة جدًا، لمة الأسرة الطوعية هذه، لم أشعر بها منذ زمنٍ بعيد، تقريبًا منذ عرف أولادي الفيس بوك".

وتكمل: "العودة إلى مشاهدة التلفاز، أرجعت لي ذكريات الطفولة مع عائلتي، حين كنا نجتمع لحضور فيلم قديم (أبيض وأسود)، نصنع الفشار، ونتناول النمورة، ونشرب الشاي، نضحك معًا ونبكي معًا عند أي لقطاتٍ تستدعي ذلك (..) لم أعتقد أنني سأعيش هذه المشاهد مجددًا مع أسرتي، لكن كورونا قلب كل التوقعات". 

"ماما اصنعي لنا البسبوسة، ماما نشتهي الكيك، ماما أعدّي لنا مشروبًا ساخنًا قبل أن يبدأ الفيلم.." هنا قصّةٌ مشابهة، تكثر بها طلبات الأولاد كلما اجتمعوا أمام التلفاز، تقول أمهم فاطمة عبد المجيد ضاحكةً: "وما أكثر اجتماعاتهم اليوم!".

فاطمة وهي أمٌ لتسعة أبناء، لم يتوقف زوجها عن مشاهدة التلفاز كونه لا يمتلك هاتفًا ذكيًا، يشاهد الأخبار عليه ويتابع كرة القدم، وأحيانًا بعض المسلسلات، أما أولادها "فمنذ أن أُغلقت المقاهي، وأجبروا على المكوث في المنزل، بدأوا يشاركون والدهم جلساته أمام شاشة التلفاز". تضحك وتستدرك: "حتى بناتي المتزوجات، حين يأتين لزيارتنا، يناقشن والدهن حول ما يتابعه، وينصحونه بخياراتٍ أخرى (..) المدهش أنهم جميعًا كانوا يشتكون قلة الوقت، لكن أوقات مسلسلاتهم جعلتهم ينظمون أوقاتهم بشكل دقيق".

سامح ابن فاطمة قاطعها قائلًا: "طلع التلفزيون أجمل بكثير من السوشال ميديا، ومتعة انتظار حلقات المسلسل، وأحداثه، ما بين الفواصل الإعلانية، تضاهي مئة مرة، متعة مشاهدة جميع الحلقات مرة واحدة عبر الإنترنت".

لم يستطع الشاب السفر طيلة حياته من قطاع غزّة بسبب الحصار المفروض عليه منذ 14 عامًا، ناهيك عن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، والأوضاع المعيشية والاقتصادية الصعبة، ناهيك عن أنه لم يجد عملًا حتى اللحظة رغم أنه تخطى حاجز الثلاثين.

يضيف: "كنت أقضي معظم أوقاتي إما على الإنترنت، أو في المقاهي المطلة على البحر، مع كورونا اكتشفت اليوم قيمة التلفاز حقًا"، يتابع: "عرفت قيمة أن أجتمع مع عائلتي لغرض التسلية والمتعة، أن أراهن أبي على توقعٍ ما بشأن لعبة مصارعة نشاهدها معًا، عرفت ماذا يعني أن أكتشف شخصية أبي وأمي، وعلاقتهما معًا، بعد ثلاثة عقود من الزمن (..) كل هذه الأسئلة أجاب عنها كورونا".

أما أحمد صالح (50 عامًا)، فيقول: "إن التلفاز يشعرني بـ "الوناسة"، خصوصًا عند مشاهدة الأفلام القديمة، أو المسرحيات، التي لو شاهدتُ منها على سبيل المثال "الواد سيّد الشغال" بشكل يومي، فإنني لن أمل". 

يتابع: "فيسبوك استحوذ على اهتمامي فترةً من الزمن، لكنني وجدت فيه كل شيء يشبه بعضه، إما أن يضع الأصدقاء صورهم الشخصية فنكتب عليها ذات التعليق (منور) مثلًا، أو أن ينشر بعضهم صورًا للطعام والشراب، وهذه عادة سيئة لا أحبها، كونها لا تراعي أوضاع كل الناس في غزة التي تشهد اقتصادًا مترديًا".

بسبب كورونا، لم يعُد التلفاز ونيسًا للرجل وحده، فعائلته كلها مرّة واحدةً صارت تُشاركه المشاهدة، ينظر إليهم كلما اجتمعوا ويردّد "إيـه، ساق الله على أيام ما قبل الكورونا، ما كنت بشوف وجه حدا فيكم".

وفي حال انقطاع التيار الكهربائي، يجد أبنائه الخمسة على هواتفهم، كلٌ منهم في مكان، لكن، وفور عودتها، وما أن يضغط زر تشغيل التلفاز، إلا ويجدهم بدأوا بالتجمع حوله بشكلٍ تلقائي، يتابعون معه المسلسلات، وينتظرون الحلقات القادمة بشغف، يعلق بابتسامة رضا: "هذا أحلى ما نريد، لمّة حلوة مع وناسة ومسليات".