"كورونا" يستدعي ذكريات الكوليرا والحصبة
تاريخ النشر : 2020-04-25 21:24

بيت لحم/ شبكة نوى-فلسطينيات:

تلفظ الحاجة زهدية قطوسة، من قرية دير قديس غرب رام الله، بصعوبةٍ كلمة "كوليرا"، تلك التي أصابت فلسطين في أربعينيات القرن الماضي، كوباءٍ لم يكن له لقاحٌ أو علاج، تمامًا كما هو حال "فايروس كورونا" اليوم.

الجائحة الجديدة، دفعت كبار السن من الجدات والأجداد، إلى استدعاء ذكرياتهم حول الأوبئة المختلفة، التي مرت على البلاد خلال العقود الماضية.

تقول الحاجة زهدية لشبكة نوى: "لا أذكر زمن الكوليرا، لكن حماتي زينب كانت تُخبرني عنها، كانت إذا هاجمت منزلًا "كنسته" من كل من فيه"، استعانت الحاجة بمصطلح "تكنيس الدار" الشعبي، كنايةً عن قضائها على كل من فيه.

مثلها أيضًا، تستذكر الحاجة الثمانينية أمينة الرجوب، من قرية "الكوم" جنوب مدينة الخليل، أيام وباء "الحصبة" قديمًا، تقول: "لقد فقدت ولدين بسبب الحصبة، الأول كان يبلغ من العمر عامًا واحدًا، والثاني لم يتجاوز ستة أشهر، ارتفعت حرارة أجسادهم، وانتشر فيها الطفح الجلدي، ثم فارقوا الحياة".

تضيف: "كم تألمت لفقدانهم، في ذلك العام فقدت قريتي عشرة أطفال بسبب الحصبة"، معقبةً بالقول: "الحافظ الله، لدي الآن 6 أبناء وابنتين".

وقد نجا الحاج السبعينيّ خليل الرجوب من قرية "الكوم" أيضًا من مرض "الحصبة" عندما كان عمره خمس سنوات، يقول: "أعتبر نفسي محظوظًا، لنجاتي من الحصبة، في حين مات أغلب الأطفال الذين كانوا من جيلي أو مقاربين لي في السِن".

ويذكر الحاج خليل، كيف فقد عمه محمود الرجوب في حينها، جميع أولاده بسبب الحصبة، وكان عددهم خمسة.

أما الحاج التسعينيّ محمد جودة من مدينة البيرة، فيذكر أيضًا أيامًا صعبة مرت على الشعب الفلسطيني في بداية فترة الخمسينيات من القرن الماضي، فكادت فرص العمل، وطُرق تحصيل لقمة العيش أن تنعدم.

يقول جودة: "كنتُ أجلس عند دوار المنارة وسط مدينة رام الله بالساعات لأجد عملًا، وعندما أحصل على فرصة، يكون الأجر ضئيلاً، أي بحدود15 قرشًا، وهو ما يساوي قرابة الأربعة شواقل".

يوضح جودة الذي كان في مطلع العشرينيات من عمره آنذاك، أن الأوضاع الصعبة انعكست على الزراعة أيضًا. وقد "استمرت الأوضاع المعيشية الصعبة، على مدار سبع أو ثماني سنوات، وكنت أعمل هنا وهناك حتى أستطيع القيام بمسؤولياتي تجاه شقيقتيَّ ووالدتي، إذ كنت المعيل الوحيد للعائلة، بعد وفاة والدي، وأنا في سنٍ صغيرة".

إلى الداخل المحتل، حيث قرية عرابة البطوف قضاء عكا، يُحدِّثُنا الباحث في التراث وأستاذ الأنثروبولوجيا شريف كناعنة عن أحوال الناس قديمًا مع الأمراض والأوبئة، لا سيما "الحصبة" التي استمرت سنوات في فلسطين، فيقول: "كانت الحصبة تُصيب الأطفال خلال سنوات متتالية، في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، وكانت بعض السنوات قاسية على الناس، حيثُ حصد المرض أرواحًا أكثر، لكن من كان يُصاب بالحصبة ثم يتعافى، لا تُصيبه الحصبة في السنة التالية".

ويضيف: "إن الناس كانت تتعمد إنجاب الكثير من الأطفال، لأنهم يعرفون مُسبقًا أن داء الحصبة لهم بالمرصاد".

في العام 1942م، انتشر في فلسطين وباء التيفوئيد، ولقد أصيب المؤرخ شريف كناعنة شخصيًا (في منتصف الثمانينات من العمر) به، وكان عمره حينها عشر سنوات.

يتذكر ذلك الحدث بالقول: "لقد نجوت أنا وطفل آخر فقط من التيفوئيد، في حين مات أغلب الأطفال في منطقتي بسببه، لم يكن في القرى أيُّ أطباء، لكن من حسن حظي، أقمت لدى جدتي في مدينة عكا، التي كان فيها طبيبًا معروفًا اسمه "ناجي"، أنقذ حياتي بعد إصابتي بالمرض لمدة شهر".

كيف واجهوا الأوبئة؟

أما عادات الناس وتقاليدهم في التعامل مع هذه الأمراض، التي شكلت حالة وباء في تلك الأزمنة، فكانت تعتمد على الأعشاب، كون الناس لم يكونوا على علمٍ بإجراءات الوقاية، أو أساليب العلاج الطبية شيئًا، كانوا يلجؤون أيضًا إلى قراءة القرآن، وعاداتٍ أخرى ربما خالطوا بها "الشعوذة" أو بعض الطقوس الغريبة.

تقول الحاجة زهدية قطوسة التي فقدت أحد أطفالها في عمر العام وعشرة أشهر بالحصبة، في حين لم تكن تتجاوز هي السادسة عشرة عامًا: "كان الناس يذهبون إلى الشيوخ ومن يعتقدون أنهم "الأولياء" لمعالجة أطفالهم المرضى، وكانوا يأخذون من شعر الشيخ أو الرجل الذي يعتقدون أنه "صالح"، ويحرقونها في المنزل حول الطفل المريض، ويأتون ببعض الأعشاب، ويغلونها، ثم يسقونها لأطفالهم".

لكن إجراءات الوقاية من الأوبئة حينها لم تكن متبعة غالبًا، إذ توضح قطوسة أن الناس كانت تتعاضد وتتكاتف في وقت الأمراض والشدائد، إذ يكثفون الزيارات للمرضى، ويحاولون بذلك رفع معنويات عائلاتهم.

ويشير الباحث شريف كناعنة إلى اعتقاد الناس قديمًا بأن "شرب بول الطفل غير المصاب بالتيفوئيد أو الحصبة قد يؤدي لشفاء الطفل المريض".

مواقع التواصل الاجتماعي في وقت "كورونا" تناقلت أقصوصة من إحدى الجرائد الفلسطينية خلال أربعينيات القرن الماضي، تدعو الناس القادمين من خارج فلسطين إلى حجر أنفسهم مدة أربعٍ وعشرين ساعة، وعدم مخالفة قوانين الحجر الصحي، وإلا فستكون الغرامة والحبس بانتظارهم، وكل ذلك بسبب مرض "الكوليرا" الذي كان مُنتشرًا حينها.