قيمة الحياة تنتصر على الموت
تاريخ النشر : 2012-11-23 13:11

وجهان متناقضان شاهدتما في مدينة غزة التي ما فتئت أن تستفيق من عدوان دام ثمانية أيام وكأنه بعمر سنين، ملامحك يا غزةَ قد تغيرت في هذا الوقت القصير، سِرت بين جنبات شوارعك الرئيسة وكأنني في منطقة أخرى جهلت معالمها، الدمار الذي حل لا يمكن وصفه بكلمات وجمل وقصص عابرة وأيقنُت الآن أن الصورة لا تغني عن ألف كلمة فحسب بل مليون أو أكثر.

في الآونة الأخيرة شهدت مدينة غزة تحديدا عماراً غير مسبوق في بناء الأبراج والمراكز التجارية والمنتجعات السياحية وغيرها... ولم نكن نعلم أن هذا العمار سيتحول إلى دمار بين عشية وضحاها، هذا هو حال الغزيون ما إن ينتهوا من عدوان وترميم ما تبعه من دمار وإلا ولحقه عدوان آخر حوله إلى دمار ولكن تبقى قيمة الحياة أكبر من الموت والعمار أكبر من الدمار.

منشات مدنية كانت شامخة كشموخ الجبال سُويت بالتراب وكأنها لم تكن، وبيوت حديثة العهد تحولت إلى ركام بعد أن هُجر أصحابها قسراً تحت وطأة العدوان الغاشم الذي لم يرحم طفلاً ولا شيخاً ولا حجراً لا طائراً ولا جماد.

في صورة أخرى مقابلة في ميدان فلسطين وساحة المجلس التشريعي دبت الحياة بطريقة منقطعةِ النظير دفعتني خلال تحليقي بأوجه المشاة والمارين والمتسوقين بضحكاتهم وابتساماتهم أن أهمس لنفسي" وكأن شيئاً لم يكن"  وإستغربت لبرهةٍ من الزمن، وقلت " ها هى قيمة الحياة أكبر من قيمة الموت" وجُلت بناظري يميناً وشمالاً وجدت ما كنت أحلم به منذ سنوات علم فلسطين يلوح في السماء وكأنه طائر العنقاء، ولُفت من حوله كافة الألوان الأخرى لجميع فصائل العمل الوطني والإسلامي، منظر شغف به قلبي واطمأننت بأن هناك ما ينذر ببريق أمل في وحدة الوطن والفصائل، وتمنيت أن تبدأ المصالحة بلا شروط مسبقة كي يلتئم جرح الإنقسام الذي كاد أن يجهز على قلبي وعقلي وكافة جوارحي.

المشهد السابق تجلى بوضوح أكثر في باحة المجلس التشريعي التي كانت ملتقى الأحبة والأخوة من شقي الوطن، مشهد الحب والتآلف والأمل الذي عُمد بدماء أطفالنا ونسائنا وشبابنا وشيوخنا، أنسانا أننا كنا مختلفين على مدار سنوات ولكن يبدوا أن هذه الدماء نجحت فيما فشلت به كل  المحاولات الأخرى في رأب الصدع وتضميد الجراح، بعدما وقع الجميع في مرمى الاستهداف لآلة الحرب الإسرائيلية ، فخلافاتنا صغرت أمام هذا العدوان.

المشاهد والأحداث كثيرة ولكن علينا ألا ننسى أن توحد المقاومة في خندق واحد ساهم في تحقيق ما سُمي " النصر المؤزر" وإن كان من وجهة نظري الشخصية لم يلبي طموحي بعدما حلُمت بل رأيت مآذن وكنائس القدس وكأنني على بعد مرمى بصر من نصفي الثاني كما صورته المقاومة والماكنة الإعلامية، وكان بودي أن نخرج بشروط تلبي طموحي في فك الحصار بكل أنواعه براً وجواً وبحراً ما دمنا نمتلك القوة في الميدان؛ كأدنى حق للشعب الفلسطيني التي تنتهك حقوقه وتغتصب منذ أكثر من ستين عاماً.

المطلوب في نهاية المطاف وبغض النظر عن الهدنة هل لبت الطموحات الفلسطينية أم لم تلبى. علينا أن نستقى العبر والدروس والمواعظ من العدوان وإذا ما إعتبرنا هذا نصراً للمقاومة وليست لفصيل بعينه علينا ألا يأخذنا الغرور والزهو بالنصر، وأن نقيم نتائج هذا العدوان وهذه الملحمة البطولية التي سُطرت وعُمدت بدماء أطفالنا وقياداتنا، أَن نستعد لفصول جديدة من المعركة مع الاحتلال ولكن هذه المرة بوحدة أكبر من وحدة المقاومة في الميدان بل بوحدة القرار الفلسطيني الذي يستند لحقوقنا المشروعة وثوابتنا وعلى رأسها المقاومة كخيار بجانب الخيارات الدبلوماسية الأخرى.

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار والشفاء العاجل لجرحانا وجريحاتنا والوحدة لشعبنا